وكثير
من الاتهامات التاريخية والمغالطات العلمية ناتج عن فقدان هذه الخصلة الحميدة عند
الباحثين، فلا يرجعون إلى أمهات الكتب ويعتمدون عليها، ولا يكلفون أنفسهم عنت
البحث عن الحقائق، ولا يحسنون التأويل ولا التدقيق، وإنما يعثرون على المرويات
الكاذبة والأحاديث الخادعة فيجعلونها معيارا لصدقهم ودليلا لحكمهم، ويلوون
العبارات عن منحاها ويصرفونها عن مقاصدها؛ ليفسروا بها أباطيلهم ويَبنوا بها
نقدهم، وهذا ليس من الأمانة العلمية في شيء، وما أحوجنا إلى الرجوع إلى قاداتنا وشيوخنا، ونسلك سبلهم ونتبع
سنتهم ونهتدي من هديهم.
هذا، فقد كان الشيخ الخديم ـ رضي الله عنه ـمثلا فريدا وأنموذجا فذا في تحري الصدق والأمانة، وحريصا بذكر مصادر منقولاته ومراجعه، معتنيا بإيراد أسماء المؤلفين والنص على كتبهم، مراعيا صيانة المعاني عن غير وجهتها وسياقاتها، دقيقا في فصل رأيه عن رأيهم وموقفه من مسائلهم، مسندا السبق إليهم مشيدا بهم ومبرزا فضلهم وجهودهم، حتى إنه ليستسيغ لك أن تجمع من بطون مؤلفاته ومصنفاته قائمة كبيرة من الكتب، وهي ميزة تتجلى واضحة في جميع كتاباته وقصائده ـ رضي الله عنه ـ.
ومن صور الأمانة
العلمية عند الشيخ:
1ـ نسبة المنظومات إلى أصولها :
كان الخديم ـ رضي الله
عنه ـ قد تكفل بمنظومات وتواليفَ علمية يتعلم منها الناس دينهم وفرائضهم، فقام مشمرا ساعد الجد، حتى أتمها
على أحسن وجه وأتم صورة، ونظم عدة كتب كانت منثورة في الفقه المالكي والعقيدة
الأشعرية وفي التصوف؛ ليسهل حفظها وترسيخها في الذهن، وقد اعتمد في تأليف تلك
المصنفات واتكأ على الكتب التي سبقته، وقد كان باستطاعه أن يكتب ما شاء الله أن يكتب،
وخاصة أنه عَلَمٌ من أعلام تلك الفنون، ولكن بحنكته الصائبة وحكمته الدقيقة لم يكن
ليأتي بجديد وحوله هذه المؤلفات التي بعنايتها وشرحها تكون كافية لمن أراد أن
يتعلم، ...
وقد نسب
كل تلك المنظومات إلى أصولها، ولم ينسب
واحدة منها لنفسه أو يتخذها من إنشائه الشخصي؛ غير ما كان من جهده الصرف كمغالق
النيران، وزاد ذوي التعلم وغيرهما،
ولم يكن هناك مانع من إسنادها إليه، واعتبارها ملكا له؛ لأنك حين تقرأ المنظوم
وتقابله بالمنثور تجد فيه زيادات وتوسعات ليست في الأصل، وأنه لولا التواضع لكان
أحق أن يُطلق عليه " شرحا". وغالبا ما يكشف في العنوان عن أمانته العلمية، ويشير إلى أصل المنظومة،
ومن أمثلته " الجوهر النفيس في عقد نثر الأخضري الرئيس"، ومواهب القدوس في
نظم نثر شيخنا السنوسي"، و مسالك الجنان في جمع ما فرقه الديماني" .
2 ـ ذكر المصدر والمؤلف:
لابد للكاتب والباحث من أن يستعين
بآراء من قبله، ويستفيد من منقولاتهم ويتزود من معارفهم، وعليه التصريح بهذا
الاقتباس والإشارة إليه حتى لا يفتح بابا للاتهام،
ولا يكون معرضا للشتم، وشيخنا ـ رضي الله عنه ـ قد صرّح في صدر كتابه " مسالك
الجنان " الذي يعتبر موسوعة صوفية لا يستغنى عنه في بابه بمنهجه في الإسناد،
وبيّن خطته في هذا المؤلَّف طلبا للأمانة العلمية، وقال:
سمَّيْتُهُ
مَسَالكَ الْجِنَانِ
|
فِي جَمْعِ مَا فَرّقَهُ الدَّيْمَانِي
|
إذْ
كلُّ مَا نصَّ به فِي "الخَاتِمَهْ"
|
جِئْتُ بِهِ في ذا الْكِتَابِ نَاظِمَهْ
|
ثم
من "الذّهَبِ" قَدْ أخَذْتُ
|
فَوَائِدًا بِهَا لهُ تمَّمْتُ
|
وَرُبّما
فِيهِ أزِيدُ بَعْضَ مَا
|
آخُذُ للتَّكْمِيلِ مِنْ غَيْرِهِمَا
|
مِنْ كُتُبِ الْقَوْمِ
كإحْيَاءِ الْعُلُومْ"
|
و"جُنّة المُريد" للشَّيْخِ الكريم
|
لكِنْ إِذَا ذكَرْتُ "
قَالَ " بالضّمِيرْ
|
فرَاجِعٌ إِلَى الْغَزَالِيّ الشّهِيرْ
|
وغيْرُهُ مِنْ هَؤلاَءِ
الْقَوْمِ
|
أُصَرّحُ الاِسْمَ لَهُ بِالذِّكْرِ
|
وَحَيْثُ ما ذَكَرْتُ
لَفْظَ " قُلْتُ "
|
فَمِنْ معَانِي قَوْلِهِمْ نَقَلْتُ[3]
|
3- تعبيراتٌ لعزو الكلام إلى
صاحبه:
وبالتأمل من كتاباته ـ رضي الله عنه ـ يصادفنا عدد من الألفاظ العميقة الدلالة
على عظم الأمانة العلمية، ومراعاة الضبط والإسناد عنده، كأن يقول: أخرجه الإمام مالك، نص عليه سيدنا
الشعراني"، وقال شيخنا الإمام الجيلي" ذكره في الشرح شيخنا المحيط"، ومن ذلك
قوله مثلا في المسالك:
أما الذي مقام ورد اَنكرا
|
مستهزئا به لكره وازدرآ
|
فَذُوجَهَالةٍ كَمَانَصَّ العلم
|
إشارة إلى قول ابن عطاء الله: " لا يستحقر الورد إلا جهول "[5]
وغير ذلك كثير، وتلاحظ أنه يصرح باسم المصدر وصاحبه مُكلّلا بألفاظ التبجيل
والتوقير والاحترام.
4 _ اقتباسه لبعض الأبيات الشعرية:
وأما اقتباسه لبعض الأبيات الشعرية في قصائده، وتصرفه في قوافيه ومعانيه،
وعدم إيراده اسم الشاعر لشهرته وذيوع البيت، فذلك جائز في البلاغة العربية، لا يعد
وصمة ولا منقصة، ولا يقدح في الأمانة العلمية، وهو ما يسمى بالتضمين، " وهو
أن يضمن الشعر شيئا من شعر الغير مع التنبيه عليه إن لم يكن مشهورا عند البلغاء"،[6]
وما وجدناه من التضمين في كتاباته فأقل من القلة، ولا يأتي به إلا لنكتة ظريفة مع
مناسبة تامة، فمثلا قال كعب ابن زهير رضي الله عنه:
فـقــال الـخـديـم:
كانتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لها مثلا *** وما مَوَاعِيدُهَا غَيْرُ الْخِيَانَاتِ
وقبل هذا البيت:
طوْرًا تَجِينِي وَتُولِينِي
جَوَائِزَهَا
|
وتَارَةً لِيَ تُهْدِي بِالْبُشَارَاتِ
|
لكِنْ عَلِمْتُ وَعِلْمِي
سَوْفَ يَنْفَعُنِي
|
ومن أمثلته أيضا، يقول الإمام البوصيري:
ولمْ أُرِدْ زهْرَةَ الدُّنيَا التي
اقْتَطَفَتْ
|
فيقول الشيخ :
وَلَمْ أُرِدْ زَهْرَةَ
الدُّنْيَا التي اقتطَفَتْ
|
يدَا زُهَيْرٍ بَمَا أثْنَى مِنَ اَبْيَاتِ
|
بَلِ امْتَدَحْتُكَ يَا
مَوْلاَيَ مُبْتَغِيًا
|
فالبيت الثاني قد أكسب التضمين زينة وبهاء، وزاده رونقا وجمالا.
وهكذا يتضح لنا من خلال السطور
شخصيته وأمانته العلمية ، واهتمامه البالغ المدى بعزو النصوص إلى أصحابها،
ونسبة الفوائد إلى قائليها، تقديرا للعلم ورغبة في بركته، لاما ابتلينا به من
التزوير والتصحيف والتعديل والانتحال.
سرين امباكي عبد الغفور
طوبى ـ دار السلام
كلية اللغة العربية بالأزهر الشريف ـ القاهرةـ جمهورية مصر العربية
مغال طوبى 2017
[1] في بعض الدول كالجزائر
[2] الجواهر والدرر ج1 ص 120 نقلا ...
[3] مسالك الجنان، ص 8
[4] مسالك الجنان، فصل في الورد
[5] انظر إيقاظ الهمم في شرح الحكم لابن عجيبة،
تحقيق: أبو سهل نجاح عوض، ص 238ضس
[6] بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح ت:عبد المتعال
الصعيدي، ط: مكتبة الآداب، ص693
[7] قصيدة بانت سعاد لكعب بن زهير
[8] قصيدة همت سليمى
[10] قصيدة همت سليمى

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق