تنتابني مشاعر مختلطة
من البهجة والاطمئنان والتّفائل عندما أرى شباب المريديّة يبذلون النّفس والنّفيس
في التّنقيب عن آثار الآباء العلمية، وتنقيحها، وإخراجها في ثوب جديد يجذب الطّلاب والعلماء معا إلى
اقتنائها . فنرى جماعة تهتمّ بإعادة بعث التّراث ، وآخرون بالتّحقيق والشّرح، كلّ
في ميدانها. ولا يسعنا القول إلّا أنّ هذه الظاهرة المرضيّة نهضة علميّة كاستجابةٍ
لدعاء الخديم رضي الله عنه حيث يقول:
واجعله دأبا مسكن التّعلّم **** وموضع الفكرة
والتفهّم
وأيضا،
هي تنفيذ لأبرز وصاياه؛ فمن يلمّ ولو بشيء من سيرته المباركة يرى مظاهر اعتتائه بالعلم
والعلماء ، فكانت شخصيّته بكلّيّتها مدرسة تربويّة تخرّج علماء ربّانيين بكلّ معنى
الكلمة، ولذالك لا يفاجئنا حيث قيل بأن من وصاياه الأخيرة للمتعلّقين به، والتي
كانت من رغباته التي لم تتحقّق في حياته الظّاهرة - بجانب بناء الجامع الكبير و
الحجّ - جعل مدينة طوبى منبعا للعلم وقبلة للعلماء.
ولقد
علم الرّعيل الأوّل من المريديين أهمّية هذه الوصايا والرّغبات، فبذلوا أقصى جهدهم
في سبيل تحقيقها، واستمسكوا بفقه الأولويات، فنفّذوا رغبة الحجّ أوّلا، ثمّ باشروا
أمور المسجد حتّى تمّ العمل، وبعد ذالك تفرّغوا للأصعب وهي مهمّة تحويل المدينة
إلى تلك المدرسة الجامعة، الّتي تنبّأ بها الشيخ رضي الله عنه في قوله:
بالمصطفى لي بنى القدّوس مدرسة**** بها يزول
الأذى والجهل والكمد