هذه وصية
" فتح المنّان في جواب عبد الرحمان " لِلشيخ الخديم - كان له بكرمه الباقي القديم - [1]
الحمدُ لله الذي نَبَّهَ أهلَ السعادة من نوم
الغفلة والجهلِ والعصيانِ، وأغرَاهم بطلبِ الثواب والمرضات والغُفرانِ، والصلاة
والسَّلام أبدا عَلى مَن أنقذنا من الخُسرانِ والحِرمانِ، حتَّى سلكَ بنا مهْيَعاً
يدخلنا الجنان، ويُنجّينا من النّيرانِ، وعلى آله وصَحبه الفُرْسانِ، ومن تبعهم
بإحسانٍ الى يوم الدِّين من الإنسِ والجانِّ.
أما بعدُ:
فإنَّك أيُّها التلميذ سَألتني أن
أكتبَ لك وصيةً تنتفعُ بها في السِّرّ والجَهر وتدفعُ بها عنك مكائد الشيطان
فأجبتك إلَى ذلك بعدَ الاستخارة حتى وضعتُ لك نبذةً تغنِي عَن الأستاذ والأنيسِ
وتنفعك - إن شاء الله - أنتَ في الدُّنيا والآخرة وكُلَّ مَن رغبَ فيها من أمثالك
وسمَّيتُها بـ" فَتْحِ المنّانِ، في جوابِ عبدِ الرَّحمانِ"، واللهَ تعالى
أسأل أن يجعلها عَملا صَالحا خَالصا متقبّلا وأن يجعلهَا سَببا لنَجاتنا نحن وأنتَ
من شرور الدُّنيا والآخرة وكلَّ مَن رغبَ فيها بجاه سيدنا مُحمد - صلّى الله عليه
وسلّم - وبالله تعالى أَستعينُ وإيَّاه أرجُو وأخافُ .
هَذا مِن الشيخ الخديم إلى الشيخ عبد
الرَّحمان خاصّةً وإلى جَميع المسلمين .
فقلتُ: أوصيكَ
ونفسِي بتَقوى الله العظيم لأنَّه أفضل من كُلّ شَيء . وفي شُذور الأذكارِ لشيخنا
سيدي المختار - رضي الله عنه وعنّا به - : (( إنّ الفوائدَ في العقائد، وإنَّ
التقوى رأس كلِّ حكمةٍ وجِماعُ كلِّ خيرٍ ونِعمة. فَمن أرادَ العلم فليتّق الله،
ومن أراد الرِّزقَ فليتّق الله، ومَن أراد النَّجاةَ فليتّق الله، ومن أراد أن
يكُون أكرمَ الناسِ فليتّق الله )). انتهى .
فإن قُلتَ فبيِّنْ لنا التَّقوى حتّى نعلمه
قلتُ اعلَم أنّ التقوى عِبارة عن امتثال الأوامر واجتنابِ النَّواهي لا خَوفَ بلاء
الله وعَذابه مع الإصرار عَلى الذَّنب، كما يظنّه بعضُ السُّفهاء الذين غرّهم
إبليس اللعين ترى بعضهُم يقول: إنّي خائف من ظُلمةَ القَبر وضِيقه وعَذاب النار
وفتنتها وألم الموتِ وسَكرته مع الإصرار على الكبائر كالنَّظر إلى الأجنبية والكذب
والغِيبة وكَثرة الفُضولِ، فإن قلتَ له: هَذا حرامٌ قال لكَ: هَذا لا يقدر أحد أن
يتركه؛ لأنّ جَميعَ الناس يفعلُونه مع أنه لو حُشر الناس إلى النَّار لا يَسرّه أن
يجتمع معهم في العذاب بَل يَسوءُه ذلك كلَّ ترحة، ولم يدر أنّ المَعصية ممنُوعة
حَرام قلَّتْ أوجلَّتْ، ولا يجوِّزها ازدحَام الخَلق عليها واجتماعهم فيهَا بل كما
كانت ثقيلةً عند الله فِي الزَّمن الأول كذلك كانت إلى الآن ولكن المُصيبة إذا
عمَّتْ هانتْ .
ودّت
الزَّانيةُ أنْ لو تكُون النِّساء كُلّهن يزنين لِيُخْفِينَ فضيحَتَها وكذلك
العالم الجائر لا يُحبُّ العُلماء العالمينَ فلو لم يكن فضلُ المتّقين إلاّ قوله تعالى: { هُدى للمُتَّقينَ } لكانَ كافيا
.
ثم إنّ
للتَّقوَى ثلاث مَراتب كما في الإبريز لليدالي - رضي الله عنه ونفعنا به -:
الأول:
التوقِّي عَن العذابِ المُخلَّد بالتبرّإ من الشِّرك .
والثانية:
التجنُّب عَن كلِّ ما يؤثم من قول أو فِعل حتَّى الصَّغائر وهو التقوى شرعًا.
والثالثة: أن
يتنزّهَ عمّا يشغل سرَّه عن الحقّ ويتبتَّلَ إليه بشَراشِرِه وهو التقوى الحقيقِي
المطلوب .
فالأولى قولُه
تعالى : { وألْزَمَهُمْ كلمةَ التقوى }.
والثانية
قولُه تعالى : { وَلو أنّ أهلَ القُرى آمنُوا واتّقَوا ... } .
والثالثة قوله
تعالى : { يَا أيُّها الذين ءامنوا اتّقُوا الله حَقَّ تقاتِه }. انتهى .
وفِي الحَديث : (( الكرَمُ التَّقوى )) .
وفسّره بعضُ العلماء فقال معناهُ: أنّ الكرم لا يحصُلُ فِي المَرء إلاَّ إذا كان
تقيّا يتجنّب الشُّبهات ويفرّ من المحظُورات، ويكُون فيه المكارمُ الدّينية
والأخلاق السّنيّة والشِّيَم الحَسنة وقد أوصَى النبي عليه الصَّلاة والسَّلام
رجُلا فقال له : (( عليكَ بتقوى الله فإنَّه جِماع كل خير وعَليك بذِكر الله
وتلاوةِ القرآن؛ فإنّه نور لك فِي الأرض وذِكر لك فِي السَّماء )).
واحفَظ لسانكَ إلاّ من خَير فإنّك به تغلب
الشَّيطان فإن قلتَ ما كيفيّة امتثال الأوامر واجتنابِ النَّواهي ؟!! قلتُ: فاعلم
أنّ ذلكَ لا يمكِن لعبدٍ إلاَّ بعد معرفةِ ما أمر ربّه به وما نَهاه عنه، والمعرفة
لا تُنال إلاّ بعد التعلُّم غالبًا ولذلكَ وجبَ عَلى العبد أن يقدِّم التعلُّم
عَلى العبادة .
وفِي المنهج لشَيخنا وقدوتنا الغزالي - رضي
الله عنه وعنا به - آمين ما لفظه :" واعلم أنَّ العلمَ والعبادة جَوهران
لأجلِهما كانَ كلّ ما تَرى وتسمع من تَصنيفِ المُصنّفين وتعليمِ المعلِّمين ووعظ الواعظينَ
ونَظَر النَّاظرين، بَل لأجلهما أنزلت الكتب وأُرْسِلَتِ الرُّسل، بَل لأجلهما
خُلِقتِ السَّمواتُ والأرضُ وما فيهما من الخلق، فتَأمَّل آيتيْن فِي كتاب الله
عزَّ وجلَّ إحداهما قوله جلَّ ذكره الله: { الذي خلَق سَبْعَ سَموات ومِن الأرضِ
مثلَهنَّ لتعلمُوا أنَّ اللهَ عَلى كُلّ شَيء قَدير وأنّ الله قَد أحَاط بِكلِّ
شَيء عِلمًا } .
وكفَى بهَذه الآية دَليلا عَلى شرف العلم
لاسيِّما علم التوحيد، والآية الثانية قوله جَلَّ جلاله من قائل : (( وما خلقتُ
الجنَّ والإنسَ إلاّ ليعبدُون )) وكفَى بهذه الآية دَليلا عَلى شَرفِ العبادةِ
ولُزوم الاقبالِ عَليهَا.
فاعلَم بأمرين هُما المقصُود من خَلق
الدَّارين فَحُقَّ عَلى العبد أن لا يشتغل إلاّ بهما ولا يتعب إلاّ بهما ولا ينظرَ
إلاّ فيهما فاعلم أنّ ما سِواهما من الأمر باطل لا خير فيه ولغو لاحَاصل له، فإذا
علمتَ ذلك فاعْلَم أنَّ العلمَ أشْرفُ الجَوهَريْن وأفضلُهما ولذلك قال النبيُّ -
صلّى الله عليه وسلّم - : (( أنَّ أفضل العالم على العابد كفَضلي عَلى أمّتي ))
وقال النبي - صلّى الله عليه وسلّم - : (( ألا أدلّكم على أشرفِ أهْل الجنّة قالوا
بَلى يا رسُول الله، قال: هُم عُلماءُ أمَّتي ))
فبانَ لك أنَّ العلمَ أشرفُ جَوهرًا من
العبادة، ولكن لا بُدّ للعَبد من العبادة مع العلم وإلا كان علمُه هَباء منثُورا .
فإنَّ العلمَ بمِنزلة الشَّجرة والعبادةَ
بمنزلةِ ثمرةٍ من ثَمراتها فالشَّرف للشّجرة إذ هي الأصل لكنِ الانتفاعُ بثمرتها،
فإذاً لابدّ للعبْد أن يكُون له من كلِّ الأمرين حظٌّ ونَصيب ولهذا قال الحسن
البصري -رحمه الله تعالى - :" اطلبُوا هَذا العلم طلباً لا يَضرُّ بالعبادةِ
واطلبُوا هذه العبادة طلباً لا يضرّ بالعِلم ". وفيه أيضا فإنّك أولا يجبُ
عليك أن تعرف المعبُود ثم تعبده وكيف تعبد من لا تعرفه بأسمائه وصفات ذاته وما
يجبُ له وما يستحيلُ في نعته فربّما تعتقِد شيئا والعِياذ بالله مما يخالف الحقَّ
فتكونَ عِبادتك هَباءً منثُورا .
وفيه أيضا ثم يجبُ أن تعلم ما يلزمك فعلُه من
الواجباتِ الشَّرعية عَلى ما أُمِرْتَ به لتفعلَ ذلك وما يلزمك تركُه من المناهي
لتترك ذلكَ ، وكيف تقوم بطاعة لا تعرف ما هِي وكيفَ هي فكيف يجب أن تفعلَ أوكيفَ
تجتنب المَعاصي لا تعلم أنها مَعاص حتى لا تُوقَعَ فيها .
ثم اعلَم أنَّ
العلم الذي طلبُه في الجُملة فريضةٌ ثلاثة أقسَام : علم التوحيد ، وعلم الشَّريعة،
وعِلم التصوّف، وعليكَ بأن ترعَى جوارحَك السبعةَ وهي: اللسان والبطن والفرْج
والرِّجلان واليدان والعيْنان والأذنانِ. وكيفيةُ رَعيها أن تحفظَ اللسان عن
الغِيبةِ. وفي نصيحة البتّ لجَميع كنت لشيخنا الكبير الشيخ سيدي المختار رضي الله
عنه وأرضاه عنّا وجعلنا ممن تولاه ما لفظه : " أوصيكُم بتقوى الله العظيم
وإمساكِ ألسنتكم؛ فإنَّ اللسانَ أعدى الأعداءِ وأصدقُ الأصدقاء ، فإن أمسَكْتَه أو
ذكرتَ به نَجوتَ، وإن أطعتَ به فهو أصدقُ الأصدقاء ".
وفي الخبر : " لِسانُك أسدُك فإنْ أمسكتَه
نَجوتَ، وإن أطْلَقْتَه أكلَك ". وقوله عليه الصَّلاة والسلام : (( أشدُّ
الناس عَذاباً يَوم القيامة ثلاثة: عَالم لم ينفعْهُ الله بعلمه، ومُكثرُ القولِ
في الباطلِ، وعَاقُّ الوالدينِ )) .
وقال عُمر لشاب مَر به ذات يوم: " يا
شاب، إذ وقيت شر ثلاث فقد وقيت الشركه " لقلبك " أي لسانك و "قبقبك"
أي بطنك و"ذبذبك" أي فرجك " قلت : بل ورد مثله عن النبي - صلى الله
عليه وسلم - كما في الجامع الصغير للسيوطي وقال - صلى الله عليه وسلَّم - لمن
اختصَر له في الوصية: " اتق الله وأمسك لسانكَ " فيكرر السُّؤال ثلاثا
وهو يكرر الوصية.
قلتُ: وقد جاء في الحديث الصَّحيح"
:" من صَمت نَجا " من الفتن ومن وقُوع اﻵفات والمحَن كما قال - صلى الله
عليه وسلم - : " كلامُ ابن آدم كلّه إما عليه أو له". وفي رواية: "
كَلام ابن آدم كله عليه إﻻ أمر بمَعروف " . ومن آفاتِ اللسان أنَّ عدم إمساكه
يفسد الدين ويقسّي القلب، ويقال الرزق لخبر : (( إذا رأيت وهْناً عَلى دينك أو
قساوة في قلبك أوحرمانا في رزقك فاعلم أنك تكلَّمتَ بما لا يعنيك )).
وقال مالك : " من عدَّ كلامه من عَمله
أقلَّه ". وقال الهلالي - رضي الله عنه -:
فكلُّ
ماحصدَهُ اللسانُ = يجدُهُ يومَ الجزا الإنسانُ
ومما يُستعان به عَلى حفظ اللسان ثلاثة:
شغْلُهُ بالذّكر القائم والخلوة عن الخلق وقلّة المطعم . وقال عليه السلام : ((
هَل يكبُّ الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حَصائد ألسنتهم )). وقال
: (( من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه )) ورُوِي عَن بعضهم أنَّ ثلاثة إذا
كنَّ في موضع فالرحمة مصروفة عنه ذكر الدنيا والضحك والوقيعة في الناس فاحفظ لسانك
يَا أخي تَسْلَمْ .
ومما يُستعانُ أيضا به على حِفظ اللسان ما في
شَرح المُرشد وفيه : " ومن أراد السَّلامةَ من آفات لسَانه فليكثرْ من قراءة
سُورة الناس وسُورة القدر ".
وأما البَطن فيجبُ عليك أن تحفظه من الحَرام
والشُّبَه ولا تأكل إلا حَلالا وهو ماجُهِلَ أصله أوعُلِم . وفي الحديث : ( ما
جاءك من غَير مسألة ولا استِشراق نفس فخُذه فإنَّما هو رزق سَاقه الله إليك ). وفي
الحديث أيضا : ( مَن أكل الحلال أطاع الله أحبَّ أم كره، ومَن أكل الحرام عصى الله
أحبَّ أم كره ) .
وقال بعضُهم :
" كُل ما شِئت فمثلَه تَفعلْ واصحبْ من شِئت فأنت عَلى دينهِ ".
فيتعيَّنُ عَلى المؤمن طلَب الحلال . وفي الحَديث : (( طلب الحلال جهاد)) ، وفسّره
بعضهم فقال معناه : أ ن نفس بني آدم أمْيَلُ إلى الحَرام لاتّساعه وكثرتِه فإذا
خالفها في تحصيل الحلال مع عزته وقلَّتِه فكأنَّه جاهَدَ في سَبيل الله مع أعدائه
فجعل الله اهتمام العبد في طلب الحلال مكفِّراً لبعض ذنوبه، كما قال النبي - صلّى
الله عليه وسلم - : (( إنَّ من الذُّنوبِ ذُنوبا لا يكفِّرها إلاَّ الهمّ فِي طلب
الحلالِ )) .
وقال سيدي
أحمد الهلالي - رضي الله عنه - في أرجوزته :
وكلُّ لَحمٍ
من حَرام قد نَبَتْ = فالنَّار قلْ أولَى به كما ثبتْ
ولي أنا :
ثلاثةٌ
دَعوتُهم لاَ تُقْبَلُ = قَطْعاً كمَا عَن النبيِّ نقلُوا
مكثِّرُ
الغِيبةِ آكِلُ الحرَامْ = ذُو الغِلِّ والحَسَدِ أيضًا لِلأنامْ
ومَن أدخلَ لُقْمَةَ الربى فِي بطنه فلا يقبل
الله عَملَه مدّة أربعينَ يوما فاجتهدْ يا مُريدُ أعاننا الله وإيّاك عَلى رعايةِ
ودائِعِه وحفظِ ما أودَعَنا .
وأمّا الفرجُ فيجبُ حِفظه من الزنى ونحوه
وكذلك سِتره عن العيُون وعن التراب والحَيوان، ومما يعينُ على حفظ الفرج كثرةُ
قراءة سُورة الفلق والدَّوامُ على قول سُبحان الملِكِ القدّوس، وكثرةُ قراءةِ
"والسَّماءِ والطارق " فاغتنِمْ - أيَّدَنا الله وإيّاك بنصره - .
وأمّا الرِّجلان فيجبُ حِفظهما من السَّعي
إلى الممنُوع كالمشي إلى السّرقة أو إلى اللهو غيرِ المباح أوإلى النميمة أوإلى
السلاطين بلا ضرورة. قال بعض الحُكماء : " من شَارك السُّلطان في عزِّ الدنيا
شارَكه في ذلِّ الآخرة ". وقال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم -:(( سيكُون
بعدي أمراء يظلمون ويكذبون فمن صَدّقهم فِي كذبهم أوأعانهم في ظلمهم فليس منّي
ولستُ منه )).
ورى أبو
هُريرة عن رسُول الله عليه الصلاة والسَّلام وقال : (( أبغضُ القرّاء إلى الله
الذين يزُورون الأمراءَ )) وفي الخبر : " العُلماء أُمَناءُ الله وأمناءُ
الرسل على عبادِ الله مالم يُخالطوا السَّلاطين فإذا فعلوا ذلكَ خانُوا الرسل
فاحذَروهم " . وقال الأوزاعي : " مَا من شيء أبغض إلى الله من عالمٍ
يزور الأمراءَ " . قال محمد بن مسلمةَ " الذّبابُ عَلى العذِرة أحسن من
قارئ عَلى أبوابِ هؤلاء ".
قال سُفيان
الثَّوري: " في جَهنّم وادٍ لا يسكنهُ إلاّ القُرَّاء الزائرُون للمُلوكِ
".
وقال رسُول
الله عليه السلام : (( ما ازداد رجلٌ قُرْبًا من السُّلطان إلاّ ازداد من الله
بُعْدًا ولا كثرت أتباعُه إلاّ كثرت شَياطينُه ولاكثر ماله إلاّ كثر عقابه )).
وقال ابن
مسعود - رضي الله عنه - : " إنّ الرجل يدخُل على السُّلطان ومعه دِينُه ويخرج
وما معه قيل له: كيفَ ذلك ؟ قال: أرضاه بما أسخط اللهَ " .
فلو لم نُمسِكْ عِنانَ القلم لأتينا فِي هذا
الموضع بأحاديث كثيرة، ولكنّك مبتدأ لا تحمل الثقيل فِي هذا الوقتِ ولكن اشْدُدْ
يديْك بهذه الورقات واجعلها نُصْبَ عينيْك ووفّقنا الله وإياك للتحقيق .
وأما اليدانِ فلا تمسّ بهِما ما لا يحلّ لك
مسّه من الأشياء كالأجنبية أو مَال المسلم بغير إذنه ولا تكتب بهمَا ما لا يجُوز
النُّطق به . وأما العَينان فغضَّهما عما
لا يحلّ النظر إليه مِن المحارم وهي كثيرة منها النظر للمرأة أو لصبي بشَهوة نفس،
ومنها النظر في كتاب الرجل بغير إذنه فكأنما ينظر في جَمرة جهنم . ومِنها التطلُّع
على ماسُتِرَ عنك من حَاجة وغيرها. ومنها
إجالة النَّظر فيماأُذِنَ لك فِي دخُوله من بيت ونَحوه من غيرِ إذْنٍ . ومنها
التّطلّع على عَورةٍ الا أن يكُونا زوجَين، وقد قيل: لا ينبغي لأنه يُورث العَمى
ويذهب بالحياء ، ورُبما يَرى ما يكره فيؤدّي إلى البغضاء ".
ومنها نظر الرَّجل إلى عَورة نفسه لغير
ضرورة، وفي تحريمه وكراهته قولان: وقيل إنَّ فاعله يُبتلى بالزنا - والعياذ بالله
منه - ونَحوه وقد جُرِّبَ فَصَحَّ. ومنها النظر إلى الجَبابرة بعين التعظيم
والرضَى بأحوالهم وإتباعُهم البصرَ تعظيمًا . ومنها النَّظر بعَين الاحتِقار لأحد
من الخَلق وكيف تحقر مَن لا تقطع بأنّك خير منه . ومنها النَّظر فيما لا يحلّ
كَتْبُه ولا تَعَلُّمُه لقَصد ذلك وهَذا كله في غير النظرة الأولى .
وفي
الرِّسالة: " وليسَ فِي النظرة الأولى بغير تعمّد حَرج، قال تعالى : (( قل
للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم )) الآية " .
والعين سَبب
الحَين وهو قوسُ إبليس -لعنه الله - الذي إذا ضرب به لم يخطأ .
وما حَفظ أحد
بصرَه إلاّ حفظ الله قلبه .
وأما الأذنان فيجبُ حِفظهُما عما يأثم
بسَماعِه كغِيبةٍ وحقيقةُ الغيبة: ذكركَ أخاك بما فيهِ مما يكرهُ أن لو سمعَه، وفي
الحديثِ : ( إنَّ الغيبةَ أشدُّ من ثلاثين زانيةً فِي الإسلامِ ) وفي القرآن
ذمُّها وتشبيهُها بأكلِ لحم الميتةِ، وفي " نَصيحة البتِّ لجَميعِ كنتَ
" لشيخنا المختار - رضي الله عنه وأرضاه عنَّا، وجَعلنا ممن تولَّاه - وأما
حَقيقتها: ذكرُ شَخص أخاهُ بما يكرهُ خلفهُ مما هو فيه وإن لم يَكُن فيه فبُهتانٌ،
وكذلك لو ذكرتَ دابَّته أو ثوبَه أو دارهُ أو شَيئا مما يتعلَّق بهِ مما يكرهُ،
ومنه قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ - قِيءِ قِيءِ قِيءِ
لَمَّا قَالَتْ يا رَسُولَ اللهِ: إِنَّ هَذِهِ الْمَرْأةَ لَطَوِيلَةُ الذَّيْلِ،
فَاسْتقَاءَتْ فَقَاءَتْ مُضْعَةَ لَحْمٍ، فَقَالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ
لَوْمُتِّ وَهِيَ فِي بَطْنِكِ لدَخَلْتِ النَّارَ وَلاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ
اللهِ شَيْئًا ". وكَنميمةٍ وهي نقلُ
الكلام للغير على جهة الإفساد، وقد قال عليه الصلاة والسَّلام : ( لا يدخُل الجنة
فتّات) يعني نمّاما أي لا يدخُلها في أول السابقين .
وزُورٍ وفي
الحديث : (( من شَهد زورا عُلِّقَ من لسانه يوم القيامة )) . وكذب والكذب من أكبر
الكبائر، وحقيقته : نطقُك بما لا تشهده عيناك ولم تسمعه أذناك أولم تنقله عن موثق،
والحامل أنّ كلّ ما لا يجُوز النطق به لا يجوز سماعه فقد قال - صلّى الله عليه
وسلّم - :(( المُستمِع شريك القائل ))، وقال: (( مَن تسمَّع حَديث قوم بغير إذنهم
صبَّ في أذنيْه الآنُك يوم القيامة)).
وأما دَواء
القلب فخمسة: قراءة بالتدبّر، وإخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرّع عند السَّحَر،
ومجالسة الصَّالحين، وقد جَمعها بعض العُلماء بقوله :
دواءُ قلبِكَ
خَمسٌ عند قَسْوتِهِ = فدُمْ عليها تَفٌزْ بالخَيرِ والظّفَرِ
خلاءُ بَطنٍ
وقرآن تُدبِّرُهُ = كَذا التضرُّعُ لكنْ ساعةَ السَّحَرِ
كذَا قيامُكَ
جُنْحَ الليلِ أوسَطَهُ = وأن تجالِسَ أهلَ الخيرِ والخَبَرِ
وفي المنهج قال إبراهيم ابن أدهم: "
صاحبتُ أكثرَ رجال الله تعالى في جبال اللُّبنان فكانوا يوصُونني إذارجعتَ إلى
أبناء الدنيا فعِظْهمْ بثلاث، وقل لهم من يُكثر الأكلَ لم يجِد لذَّةَ العبادة،
ومَن ينمْ كثيرا لا يجِد في عُمره بركةً، ومن طلب رضى الناس فلا ينظر رضى الله
تعالى " .
وعن سَهل - رحمه الله - أنه قال : " جِماع
الخَير كلِّه في هذه الخصال الأربع وبها صَارت الأبدالُ أبدالاً وهي: إخماصُ
البطن، والصَُّمت، والاعتزال عن الخلق، وسَهَر الليل " .
ثم اعلمْ أيُّها المُريد - كان الله لنا ولك
وليا ونصيرا - أنّ العبادة شَطران: شَطْرُ
الاكتساب ، وشطر الاجتناب. فالاكتساب فعل الطاعاتِ، والاجتناب الامتناع عن المعاصي
والسَّيئات وهو التقوى. وأنَّ شطرَ الاجتناب عَلى كلِّ حالٍ اسلَم وأصلَحُ وأفضلُ
وأشرفُ للعبد من شطرِ الاكتساب، ولذلك يشتغل المبتدؤون من أهل العبادة الذين هم في
أول درجة الاجتهاد بشَطر الاكتساب، جلُّ هِمَمِهِم أن يصُوموا نَهارهم ويقوموا
ليلهم ونحو ذلك، ويشتغل المنتهون أولُوا البَصائر من العباد بشَطرِ الاجتناب، إنما
همَّتُهُم أن يحفظوا قُلوبهم عَن الميل إلى غير الله، وبطُونَهم عَن الفضُول،
وألسنتهم عن اللغو، وأعينَهم عَن النظر إلى ما لا يعنيهم .
يا أيها المُريد أحبِبْ لكلِّ مؤمن ما تحبُّ
لنفسك تدخلِ الجنة بلا حساب، وأكرِمِ الضَّيف وإن كان فاسقا، وادع لوالديك بعد كل
فريضة ولا تحسُد أحدا من المؤمنين فإنَّ الحسُود لا يسُود، وإن ظلَمك أحد من
النَّاس فاعفُ عنه ولا تنتصر ولا تدْعُ عليه .
يَا أيها المريد كلُّ من كان فوقك فأكرِمه
وبَجِّلْهُ، وكلُّ مَن كان دونَكَ فارْحمْهُ والطُفْ به، وكلُّ من كان مثلَكَ فافعلْ
له مثلَ ماتفعلُ لنفسِك، هذا آخر الوصيّة فإن استعملتَ بها تَنْجُ في الدَّارين
وتَنَلْ جَميع ما تطلب فِي الدُّنيا والآخرة، رزقنا الله وإياك حسنَ الخاتمة ءامين
بجاهِ المُصطفى صلّى الله عليه وسلّم.
الحمد لله الذي بنعمته وتوفيقه تمَّتِ الوصية
الغالية الخَديمية، نوَّرَ الله ضريحتَه، وجَزاه عنا خير الجزاء، الحمد لله أولا
وآخرا .
الهوامشُ:
1- ينظر هذه الوصية المسماة بـ" فتح المنان
في جواب عَبد الرحمان" ضمن "المجموعة الكبرى"
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق