الأربعاء، 18 مارس 2020

الزمــن لا يصنع تاريخ الإنسانية


الزمــن لا يصنع تاريخ الإنسانية
  
  إن جميع الشخصيات التاريخية والأعمال العلمية والصنائع الفكرية وكل ما دَوَّنهُ سِجْلُ التاريخ على مر العصور والدهور، لم يصل إلينا سدى ولم يتحقق بالمرة. وكلُّ شخصيةٍ إنسانيةٍ نفتخر بها اليوم ونسير على إذاعة محققاتها القيمة ونعمل لتعليم البشرية جهودَهَا المتضافرةَ إنما بدأتْ مسيرتَهَا بـــ» لا شيء«  مذكور.
وكل رجل مِحْوَر ذاع صيتَه في ربوع الدنيا وانتشر اسمه في آفاقها، إنما كان سائرا على الأرض مغتربا في نفسه ومنغلقا على أفكاره غير متيقن بأنه سيصبح يوما بطل الأحلام الحلوة.  الشيء الوحيد الذي كان كل أولـئك يؤمن به إيمانا لا يشوبه شك ولا يخالطه ريب يتلخص في كون العناية الإلهية الشعلة الأولى لكل من يسير على الدرب مؤمنا بربه، موثقا بنفسه ومستعينا بالدعاء. وهذا الإيمان قد حمل غير قليل منهم على ملازمة السهر وعدم السآمة حتى علتْ قمتُهم، وتشمختْ ذروتُهم إلى العلى، وقدموا للبشرية طيبات يمسها العالمون.
       تلك الأدوات المذكورة كما يعبرها مسـرح التاريخ - أضاءت مسيرتهم نحو منبر المعالي والمكارم التي في مطلبها مساورةُ الكوارث، واعتصارُ الويلات، والوقوع في انجراف متواصل ما بين محنة وأخرى.  لأنه لا راحة ولا دعة لمن يتمنى أن يصبح تعبيرا عن نظرة مُمَنهجة إلى العالَم، ورؤية ثقافية متكاملةً تضيف إلى وطنه قيمة جديدة، ويقدم للإنسانية ركائز طيبة.
       الإيمان بالله، والثقة بالنفس، والتضحية: أساسُ كل بناء خالد و السرُّ المختفي وراء نجاح جميع المشارع والطموحات التي حققها الإنسان على وجه الأرض والتي تفتخر بها البشرية من قريب أو بعيد؛ وهذا الأساس سيظل إلى الأبد يُـحيي العزة في الأرواح، ويبعث الهمة في النفوس لتتسارع إلى إنجاز الأمنيات وإِنالـة البُـغيات التي تتمثل في تشييد المستقبل، واحتذاء آثارها العلمية والحضارية والفكريـة. وتلكم لَـأصدق دليل على أن الزمن لا يصنع تاريخ البشرية، وإنما الإنسان هو الذي يعتمد على ثرواته الهائلة التي يمتلكها، وعلى المرجعيات العلمية والثقافية التي بين يديه ليكتب تاريخا خالدا ينور للأجيال اللاحقة موطئ أقدامهم، ويسوق خطواتهم نحو الأودية السامية والغايات النبيلة. وليس للزمن في تلك التجارب، والخبرات، والأخطار المقتحمة أي دور بارز سوى الشهادة بالوقائع والأحداث التي تقتنص البدائع وتختطف الروائع.
        أجل، إن مسار التاريخ لا يتوقف إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا، وسيبقى الإنسان كاتبا لتاريخه، وستظل الأقلام والصحف حافظة للحوادث، شاهدة للوقائع. رحم الله امرأً قدم مساهمته في بؤبؤ صنع التاريخ الإنسانية ولُـبّ بنائه، ولو بمثل شق تمر من الجد، ولو بقطرةٍ من عرق الكد، ولو بأندرَ من كل قليل مما يجلب الحسْنَـيـْنِ، ويدفع العارْيــنِ.
والله تعالى أعلى وأعلم


شيخنا امباكي حواء كيبي
كلية اللغات والترجمة قسم أدب فرنسي
جامعة الأزهر بالقاهرة – مصر
يوم الأحد 16/10/2016م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق