الأحد، 12 أبريل 2020

الشيخ الخديم ـ رضي الله عنه ـ والتراث السنغاليّ


الشيخ الخديم ـ رضي الله عنه ـ والتراث السنغاليّ
    لا يرتاب أي قارئ ألمّ بالتراث السنغاليّ، أنه تراث يمتاز بالثراء والتنوّع وسعة المادة، ويغلب عليه الطابع الديني والصوفي، كما يحتوي على قائمة ممتازة من عباقرة وعلماء وأدباء، شيوخا وشبابا، وضعوا جميعا بصمات ملموسة وبذلوا جهودا مُضنِية في رفعه وإثرائه؛ عن طريق كتب ألفوها وشروح وضعوها وقصائد نظموها وأحداث سجلوها ونفحات صوفية كانوا يتغنون بها وينشرونها، ولم تحُل وطأة الاستعمار ومحاولاته في طمس الهويّة الثقافيّة السنغاليّة دون غاياتهم، ولم تَصرفهم عن التضافر لخدمة مكتبتهم أو تراثهم؛ بل كانت
حافزة إلى توَقّد أحلامٍ ونضوج أقلامٍ وإلى كثير من الإبداعات والروائع التي تتباهى بها المكتبة السنغاليّة.
    وإذا كانت بداية القرن التاسع عشر هي أقدم ما يصل إليه المأثور من تراثنا، فلا شك أن جذور هذه المكتبة عريقة في القِدم وعميقة في الأصالة، ولولا ما اختلفت عليها من أحوال وظروف، وطرأت عليها من أحداث وخطوب  كضياع وحرْق؛ لكان لها شأن آخر، وأي شأن!، ومع ذلك فإن الوقوف على أرْوِقتها ورُفُوفها يدلنا على ما في هذه المكتبة من مادة خصبة وافرة، جديرة بالاهتمام والرعاية والدراسة وأن يتثَقّف بها الدارسون.  
     هذا، وقد قام الشيخ الخديم ـ رضي الله عنه ـ بدور قيّم في التراث السنغاليّ، وخدمه خدمة جليلة لم يَقم بمثلها أحد، وشارك في نهضته وتطويره بوسائل متباينة، ولم يعد خفيّا أن ما خلّفه من مؤلفات وأنتجه من قصائد يتقدم في لائحة المكتبة السنغاليّة كثرة وعظمة، كما أنه أكبر شخصية دارت حوله الأقلام تأليفا وتقريظا، كما كان سببا في ظهور نوابغ من شعراء وكتاب، ليس في العربية وحدها، بل حتى في اللهجة السنغاليّة الولفيّة؛ حيث يبرز الشاعر الكبير سرين موسى كاه بدواوينه الوُلفيّة في مدحه وذكر مزاياه، وكذلك ابن القاضي مَجَخَتِ كَلَ الشاعر سرين امْبَيْ جَخَتِ، وسرين مُورْ كَيْر، وسرينْ صَمْبَ جَارَ امْبَيْ وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين.
ويمكن تلخيص هذا الدور فيما يلي من النقاط:
1-   مؤلّفاته ومنظوماته العلميّة:
    كان ـ رضي الله عنه ـ  يمتاز بتنوّع معرفيّ هائل، وتوسّع ثقافيّ ضخم، وقد شرع في التأليف منذ زمن مبكر، واتخذ الكتابة دعامة من دعائم التجديد؛ إذ كان معظم الكتب المتداولة ساعتئذ لا يستسيغها بعض العقول ولا يناسب المبتدئين من المتعلمين، وكادوا يعرضون عنها؛ إما لطولها أو لصعوبتها أو لتعقيد في أسلوبها، إضافة إلى أن حفظ المنثور أصعب من المنظوم؛ فصنف تصانيف عديدة في العقيدة، والفقه المالكي، والتصوّف، واللغة، وفي الأخلاق والآداب، والزهد والوعظ، بأسلوب سهل دقيق واضح، يعتصر فيه المسائل ويختصرها حتى يتيسر حفظها ويسهل فهمها وتستقرّ في ذهن الطالب بدون غموض أو تعقيد، وتكون تمهيدا إلى الأمّهات الموسّعة، ومن هنا جاءت عناوين بعض تلك الكتب بهذه الصيغة " تزود الصغار وتزود الشبان، جذبة الصغار، مسالك الجنان، سعادة الطلاب وراحة طالب الإعراب".
    وقد نفع بذلك التراث السنغاليّ نفعا عظيما؛ حيث أصبحت هذه الكتب مشهورة ومقررة في أوساط المتعلمين، يقبلون عليها يدرسونها ويحفظونها، كما صارت ميدانا للبحث يحوم حولها الباحثون شرحا ودراسة وتحقيقا وتأصيلا، وينالون بها الإجازات والشهادات العالية، وذلك بالضرورة مما يزيد هذا التراث قيمة وشرفا وفضلا.
 2_  إبداعاته الأدبيّة:
وأما الشعر فهو رائد بابه وحامل لوائه، وقد استطاع أن يرسم لنفسه طريقته المصبوغة بشخصيته الفنية، تبرز معالمها في كل قصائده، وابتعد عن التكرار والتقليد الذي كان انكب عليه معظم شعراء زمانه
غَيّبْتُ أنْظَامِيَ عن تَغَزُّلِ     بِدِمَنٍ لِمَدْحِ خَيْرِ مُرْسَلِ
 وآثر السهولة في الألفاظ وأَحسن اختيارها والقرب في المعاني وجودتها، ونفر عن التعقيد والغرابة، وخلص من تتابع الصّور المتكلّفة،  وتفنن في أشعاره وابتكر وأبدع، وخاصة في باب التطريز الذي يمكننا القول بأنه أدخله في تراثنا السنغاليّ، وبَزّ فيه كلّ من سبقه في تاريخ الأدب الإسلاميّ، يقول أحد الباحثين: " ومما يدل على كثرة المؤلفات والقصائد التي كتبها الشيخ الخديم ... أنني اطلعت على ثلاث وأربعين قصيدة للشيخ نفسه، كلها مطرّزة على حروف الآية نفسها " وإنك لعلى خلق عظيم"[1]، فضلا عن القصائد المستقلة غير المطرزة، والتي لا يعلم عددها إلا الله.  
   وإذا أضفنا إلى المذكور  تلك الوصايا ـ شعرا ونثرا ـ التي كان يوجهها إلى الناس عامة وأحيانا إلى بعض الأعيان خاصة، وتلك الأجوبة التي يردّ فيها على بعض أسئلتهم واستفساراتهم، أو المراسلات الشعرية بينه وبين الشيوخ وإخوانه في الوطن والدين، وكذلك مؤلفاته النثرية كمقدمة الخدمة في الصلاة على نبيّ الرحمة، ـــ فإنه سيتشَكّل لنا صورة ناصعة، ويتبين لنا بجلاء لا يقبل الشك؛ أنه رضي الله عنه ـ شارك في جميع الميادين الأدبيّة التي  تثمر وتفيد مكتبتنا السنغالية.
  وقد وجدت السنغال في ثنايا كتاباته ـ رضي الله عنه ـ مادة عِلميّة خصبة؛ فتطايرت الأقلام وتنابذت في تجلية مكامنها  وبيان ما خفي وتقريب ما بعد منها، وللمريدية في الآونة الأخيرة جهود مشهودة في خدمة هذا التراث العظيم، هذه الخدمة التي تعد بطريق أو بآخر خدمة للتراث السنغاليّ نفسه، والدراسات التي يقدمونها حول كتاباته وجهودهم في صونها وحفظها أشهر من أن نشير إليها وأكثر من أن نحصيها، وأوضح من أن نبرز أثره وقيمته في إثراء التراث السنغاليّ.

3_ اقتناء كتب وإنشاء مكتبة:
    وقد كفانا مؤنة البحث وتكلّف القول ما أورده الشيخ محمد العلويّ الشنقيطيّ ـ رحمه الله ـ  في مؤلفه " النفحات المسكية في السيرة البكيّة [2]" عن ولع الشيخ واهتمامه باقتناء الكتب،[3] " فإنه كان لا يرى كتابا ولو تكرّر عنده إلا اشتراه بما أراد ربه، وكثيرا ما أجد في كتبه عشر نسخ من كتاب واحد، ... ولما شاع حبه للكتب في الناس جلبوا إليه الكتب من كل ناحية بعيدة، وصار كل رجل خطه حسن يأتيه ويؤاجره... حتى اجتمع عنده من الكتب ما لم يجتمع عند أحد من المتقدمين، إضافة إلى أن الشيخ الخديم كان قد بعث العلويّ الشنقيطيّ إلى أرض مصر ليشتري له كتب المذاهب الأربعة، وكل ذلك إن دلّ فإنما يدل على أنه ـ رضي الله عنه ـ كان يسعى في تأسيس مكتبة علمية شامخة، ويطمح إلى إنشاء جامعة عظيمة، بعد دعواته المستمرة في أن تكون مدينة طوبى محط العلوم، يتعلم فيها أبناء البلاد وغيرهم
واجْعلهُ دَأبًا مَسْكَنَ التَّعَلُّمِ     وَمَوْضِعَ الْفِكْرَةِ وَالتَّــفَــهُّمِ[4]
  وقد أدرك الشيخ عبد الأحد ـ  الخليفة الثالث رضي الله عنه ـ  هذه الرغبة، فرفع صرْح الجامعة وأسّس المكتبة بجوار المسجد الجامع، وللمريدية في الأعوام الأخيرة خطوات مباركة في خدمة العلم والتراث  وتَتَمتّع بنهضة علمية عظيمة لم يسبق لها مثيل في تاريخ السنغال.
4_  تأسيس مدرسة علمية تُخَرّج الفحول والكوادر:
  فقد تخرجت في المدرسة الخديمية جيل أعدهم الشيخ الخديم لحمل أعباء هذا التراث، وخرَّجهمْ ليكونوا خير منتجين، ينتفع بهم الناس أجمعون، ودفعهم إلى التعلم والتعليم، وحثّهم على التأليف والإنتاج، وقد ساهموا جميعا في تطوير المكتبة السنغالية، وتزويدها بكتب ودواوين تزدان بها وتفتخر منها، وكان منهم فقيه، ولغويّ، ومؤرخ، وصوفيّ، وفلكيّ، وشاعر مجيد، وأديب كاتب، ونذكر مثلا ابنه الشيخ محمد البشيرـ رضي الله عنهما ـ مؤلف كتاب " منن الباقي القديم في سيرة الشيخ الخديم، الذي يقول عنه أحد الباحثين: " ولأجل مواهبه البديعة يعتبره بعض النقاد أكبر كاتب في الأدب العربيّ السنغاليّ، والخليفة الحقيقي للشيخ أحمد بمب بسعة ثقافته وتغلبه على اللغة العربية ... وأما نحن فنعده الأديب الذي هو أفصح من أهل عصره لسانا، وأكثر منهم ثقافة...  وفاق السيد البشير الأدباء؛ لأنه مؤرخ بالمعنى الحديث[5]"، ومثله الكاتب الأديب والمؤرخ الشاعر الشيخ محمد الأمين جوب الدغانيّ، مؤلف كتابي " إرواء النّديم من عذب حب الخديم، والمنح المسكية في الخوارق البكية"
   ونجد كذلك ديوان الشيخ إبْرَاهِيمَ جُوبْ الْمشعرِيّ، وديوان الشيخ امْبَيْ جَخَتِ، وكتابات سرين امْبَاكِي بُوسُو، وابنه سَرِينْ موْلاَيْ بُوسو، وغيرهم كثير يعدون من أبطال التراث السنغالي.
5- شخصيته الفريدة ومواقفه البطولية :
    فقد كانت شخصيته الفريدة ومواقفه البُطوليّة جاذبة إلى تسجيل تفاصيل حياته وسيرته، ودافعة الكتابَ إلى الإطناب في سَرْد نضاله مع الاستعمار، وأنهضتهم إلى بسط القول في ذكر كراماته ومقاماته والفيوضات الربّانية التي أجراها الله على يديه، كما حملتهم إلى التوسع في تِبيان منهجه الرائد في التربية واللاعنف، وجهوده في خدمة الدين وتجديد الإسلام، وأكثر من ذلك؛ فقد حل جزءا عظيما يستحيل تجاهله في التاريخ السنغالي، ولا يمكن لأي مؤرخ أن يتجاوزه ولا يذكره، بل إنه يمدهم في كثير من الأحيان بالحقائق التي ينشدونها، ويجدون في صفحات قصائده ما يرشدهم إلى اكتشاف واقع الحياة في ذلك القرن.
  كما أن تاريخه الحافل قد ألهم الشعراء وأيقظ قرائحهم وحرّك وجدانهم، وظهرت مواهبهم الصافية وأذواقهم المرهفة، وقد وجدوا فيه ضالّتهم المنشودة، ورأوا فيه مثلهم الأعلى، فمنحوه أقلامهم وقصائدهم، وأشاعوا دواوين مبهرة في مدحه وتَعداد أمجاده، فتغنّوا بخصاله وأخلاقه، وأشادوا بانفراده وفقدان نظيره، تلك الدواوين التي تُبرهن على أثر الشيخ الخديم في النفوس والعقول، وعلى أثره في التراث السنغالي بصفة عامة كذلك.
وفي هذا يقول الدكتور عامر صمب ـ رحمه الله ـ : " قد برز إلى الوجود كثير من المؤرخين والشعراء في السنغال وموريتانيا بفضل الشيخ أحمد بَمْبَ وكأنه إلهٌ يعبده مريدوه، وكان يحبه كل من لاقاه حتى الذين أبعدوه؛ إذ كان له كثير من خصال محمودة وفضائل محترمة وصفات خليقة بالثناء"[6].
    وهكذا كان الشيخ الخديم ـ رضي الله عنه ـ يؤلف المؤلفات وينظم القصائد ويعد الفتيان لمستقبل هذا الوطن بالتربية والتعليم، ويسهر في أن تشرق شمس المعرفة وتغيب غيوم الجهل في سماء السنغال؛ فكانت النتيجة كتبا تُدرس، وقصائد تُنشد ، وبحوثا تُنشر، ومقالات تُذاع، ورجالا قدوة ، وكل من هذه وتلك له أثره المُميَّز  في التراث السنغاليّ.
سرين امباكي عبد الغفور
1/صفر/ 1440هـ
11/10/2018م
القاهرةـ جمهورية مصر العربية










[1] تحليل قصيدة مقدمات الأمداح للباحث عيسى صمب، نسخة إلكترونية، ص17
[2] ينظر النفحات المسكية ، تحقيق: محمد بمب درامي، وأبو مدين شعيب اتياو، بنشر الرابطة الخديمية، ص 152 ومابعدها.
[3] وللباحث أبي مدين شعيب اتياو مقال قيم بعنوان: " عناية الشيخ الخديم باقتناء الكتب" ينظر في صفحة المكتبة المريدية.
[4] قصيدة مطلب الفوزين للشيخ الخديم
[5] الأدب السنغالي، تأليف: عامر صمب، ج2 ص 298
[6] الأدب السنغالي، ج2، ص291

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق