أدب السنغال بين الباحثين والمتأدبين
من منا لا يعرف طه حسين ولايقرأ له، ولايستمتع
في خصوماته ونقده، ومن الذي لايطالع كتب
المنفلوطي، ولايعجب بأسلوبه وفخامة عباراته، وينظر إلى العقاد في سعة عقله وعمق
فكره، وإلى الرافعي في صقل كلامه وضخامته، فضلا عن الجاحظ وابن قتيبة ونحوهما من أولئك الشوامخ
في الأدب القديم ، وقل مثل هذا في الشعراء، فنحن يعجبنا حافظ بجزالة شعره وصلابته، ويروقنا البارودي بقوة
لفظه ونصاعته، ويروعنا شوقى برقة نظمه وحلاوته ، علاوة على ما نحفظه من شعر امرئ القيس وجرير، والمتنبي،
وغيرهم، فنحفظ مُطوَّلاتِ هؤلاء ودواوينهم، ونقضي أوقاتنا باستظهار قصائدهم
ومقطوعاتهم، كما نُنهي ساعاتنا بتصفّح كتب أولئك والقراءة لهم، ونُقَلّد أساليبهم
ونَسلك مسالكهم في التعبير، ونحيط بأدقّ تفاصيل حياتهم، ونتتبع قضاياهم ونبحث عن
تاريخهم وأحوالهم، وبعضهم قد يتخذالمقامات وردا لايفارقه، ويقرأ كتاب فلان وفلان مرات
ومرات، بل أقول في كل طبعاته.!!
كل هذا تعرفه أكثر منا وتراه في حياتك، وهو صحيح،
في حين أننا لانكاد نعرف لشعراء بلدنا قصيدة، ولا نقرء لأدبائنا كتابا، لا نحفظ لأولئك ، ولانطالع لهؤلاء، ولست مبالغا فيما أزعم، فسل فينا من يحفظ ديوان الشيخ إبراهيم جوب المشعري، أو سرين امْبَيْ جَخَتِ، سرين مُوسَى كَاهْ، سَرِينْ مُودُ جَوْ، أو قرأ منن الباقي القديم للشيخ محمد البشير، أو مجموعة مؤلفات الأديب العملاق سرين امباكي بوسو، سرين محمد الأمين جوب الدغاني , وعُدّ من شئت من أولئك الأدباء والشعراء في المريدية، وسَل السؤال نفسه في التيجانية وغيرها من المدارس الأدبية الصوفية المنتشرة في السنغال، فإنك لن تجد جوابا، ولن تلق مجيبا !!. أجل، فلعلّ
حِرْصنا على تحسين أسلوبنا وتجويد كلامنا وتقوية مَلَكَتِنَا الكتابيّة والشعريّة،
ما يدفعنا ـ غالبا ـ إلى حفظ القصائد القديمة، ونهرع لقراءة كتب
الأدباء، وهذا له أهميته ، ولاينكر أحد
فضله، غير أن الذى نتأسف له، ونستحيي من أجله، أننا لا ندرك قيمة مالدينا، ونبحث عن
أشياء هي في حوزتنا قريبة منا، ننسى أدباءنا الكبار ونغفل عنهم، نُهمل تراثهم ولا
نقرأ لهم، نَنبذ مؤلفاتهم مُقِلّين قدراتِهم محقرين نتاجهم، ونظن بأن جُلّ هؤلاء كانوا
يكتبون استجابة لفنهم أو خدمة لرغبتهم في قول الشعر، وأنه كان يمر عليهم خاطرة من
الخواطر ويسجلونها في بيتين أو قصيدة، ولايُعنوْن بالتهذيب ولا التنقيح، وأن شعرهم
لايصلح أن يكون مرآة لزمانهم، ولا تصويرا لعُصورهم، فضلا عن أن يغرس فينا فنا
جميلا، أو أدبا رفيعا. !!
وليس
من وراء الجهل والسّخف أن نسمع من بعيد أوقريب طَنْطَنَاتٍ فارغةٍ تهدف بأن أدب
السنغال قليل أوضعيف، لايساوي شيئا ولايستحق القراءة، لايُنمّق عقلا ولايُقوّي
ملكة، ولايداني في الثراء والمرتبة أي أدب في العالم، وأن أدبائه لايملكون بمايكفى
لغة شعرية قوية، وأن كلّ مالديهم أخذوه وانتحلوه من الأدب العربي الذي درسوه
وحفظوه، ولم يضيفوا إليه شيئا جديدا ، ـ نقول
بأن هذا كلام ساقط مبتذل، لايحتاج صاحبه إلى رد ولاجواب، جاهل مغرور لم
يقرأ هذا الأدب وإن قرأه لم يفهمه ولم يتفهمه أويتذوّقه.
كان السنغال ٍ ـ ولايزال ـ يكتظ بأدبائه وشعرائه الذين رزقوا بحظ وفير
وسليقة فائقة من الكتابة والشعر، ويزخر بهذه الكتب التي تعكس تقدمهم العلمي وتوسعهم
الثقافي في كل الفنون والمجالات، أدباء سجّلوا كل ماوقع في عصرهم من وقائع وأحداث،
ووصفوا بيئتهم وحالاتهم وما مرّوه من ظروف ومحن أجمل تصوير، وأروع تعبير، فإنك ـ
مثلا ـ لا تقرأ تاريخ الشيخ الخديم إلاوتكاد
تستطيع أن تشتشهد وتدلل لكل حادثة
بأبياتها، وتتعرف من خلال قصائده وكتاباته على الظروف والحالات الاجتماعية
والسياسية والثقافية باختلاف نواحيها في
البلاد. !
ويكفيك
أن تقف على كتاب " أدب السنغال للدكتور عامر صمب،" وجهوده النفيسة المبذولة لجمع هذا الكم الهائل من
الشعراء والكتاب ، لتدرك تلك الثروة الضخمة من أدب بلدنا وكثرة أدبائه المفرطة،
وهوبالطبع لم يحصر إلا المشاهير منهم،
وإلا فهناك جمع غفير لم يحظوا بمثل هذا الدراسة والبحث، وعلينا أن نتضافر لنكمل
تلك المسيرة المباركة التي استأنفها المرحوم، ولايتم ذلك إلا بدراسة الأدب
السنغالي دراسة حقيقية صادقة .
إن من أهم ما يمتاز به هذا الأدب السنغالي
أن معظمه ـ إن لم أقل كله ـ أدب صوفي خالص، صاف من كل مايشين الأخلاق والدين، خال مما
يثير البغض ويخالف المروءة، يربي الإنسان ويرقيه إلى أعلى مراتب المجد
والإنسانية، وينقيه من الشوائب والأكدار،
وأنك لا تجد فيه ألفاظا غريبة رديئة، ولامعان وحشة رذيلة، ولاغزلا فاحشا، ولامدحا
كاذبا أو تكسبا، ولاشيئا من الهجاء ولا التعارض أو التناقض، ولاشيئا مما يكره
روايته وينفر النشء من التأدب به أو قراءته وحفظه، ففيم هذا الإهمال إذن ؟؟!!
ولا
أشك في أننا لو أتقنا دراسة أدبنا وفهمناه كما يجب أن نفهمه، لفهمنا ـ تبعا لذلك ـ
تاريخنا كله ومراحل تطوره وملوكه وأمرائه ومنافساتهم وحروبهم ، ومناوشاتهم وجدالهم
بين العلماء والشيوخ، لأنهم صوّروا كل شيء ووصفوه، ولم يغادروا صغيرة ولاكبيرة في
عصرهم وبيئتهم إلا أحصوها.
إن الناظر للأدب السنغالي في أوساط الباحثين
والدارسين يرى أن رجاله ضائعون مفقودون،
تكاد الخاصة تجهلهم فضلا عن العامة، وكتاباتهم بعيدة عن أيد التناول والدراسة، لاتزال
تنتظر من يفضّ الغبار عنها، ويزيل الغشاوة عليها، ويخرجها من أكمامها لتبصر النور،
وترى الضوء لتزاحم الآداب الأخرى، ثم إن الذين
كتبوا في هذا الأدب لا يتنوعون ولا يتعمقون، ولا يبذلون طاقة في اكتشاف مجهول، ولا
إضافة جديد، وليس فيهم شيئ من الدقة
والابداع والاختراع، وإنما يكتفون بالتكرار وإعادة ماقاله السابق، بدون أن يحاولوا فتح أبواب وآفاق للبحث ، وذلك لأنهم ينظرون إليه نظرة قاصرة لافتة غير
معمقة ولاموسعة، ويتقيدون في هذا الأدب وذاك للتعصب والعنصرية، وقد يرمي أحدهم أدب
غيره بالسخافة واللين إفراطا وتفريطا، وهذا بالطبع لايساهم في نهضة أدبنا السنغالي
الذي هو جزء من كياننا وتراثنا وقاسم مشترك بيننا، والذي علينا التفاخر به والحرص على قراءته وتقديمه إلى العالم كله.
ونحن وإن كنا في الآونة الأخيرة لانعدم إقبالا من الشباب ومحاولات استكشافية لهذه
الثروة الثمينة، وللوقوف على خباياها وأسرارها من خلال بحوث ودراسات يقدمونها،
وكتب ومؤلفات يكتبونها، فإن ذلك يدعونا
إلى التفاؤل والاستبشار بالخير، ونرجو المزيد والمزيد.
فواجب
المتأدبين اليوم، بل واجبنا جميعا، القراءة الحقة لهذا الأدب السنغالي شعره ونثره، قراءة تقوم على الذوق السليم والفهم الدقيق، والوقوف
على ماغمض منها، تعليلا وتفسيرا وتحليلا، ونتبين مدى تأثرهم بالأدب العربي
وتأثيرهم فيه وإضافتهم إليه، ودقة معانيهم وصدق عاطفتهم وشعورهم وخاصة في أدبهم
الصوفي، وتفوقهم على غيرهم في هذا الفن ، أي شعر الزهد والتصوف.
ولا أنس الحكومة ومسئوليتها تجاه هذا التراث
العظيم الذي تركه لنا أجدادناو شيوخنا، وحتمية تدريسه في المعاهد والجامعات، ليشب
الأطفال عن معرفة أدبهم وتاريخ أجدادهم وعلمائهم؛ لأن ذلك هذا هو الشيء الوحيد الذي
يسمح لأدبنا بالظهور والتطور، وعلى أساسها نتيح لأدبنا الحديث بأن ينضج وينمو.
فهذا هو أدبنا وهؤلاء أدباؤنا وحفظ تراثهم
علينا نحن لاغيرنا، فلنبذل في سبيل ذلك النفيس والثمين، ونتكتف لخدمته ورفعه ونعتز
به ونفخر منه أمام الآداب كلها، وإن لم نبلغ كل مانبتغي، ولم نصل إلى كل مانريد،
فلنحصل على بعضه، ونوفق إليه بعض التوفيق؛ لأن ما لايدرك كله لايترك جله.
سرين امباكي
عبد الغفور
كلية اللغة
العربية ـ الشعبة العامة
جمهورية مصر
العربية ـ القاهرة 7ـ 2017
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق