الأحد، 17 مايو 2020

الرّوابط بين الأسر الدّينيّة في السّنغال وأثرها على استقرار المجتمع



بحث بعنوان:
الرّوابط بين الأسر الدّينيّة في السّنغال وأثرها على استقرار المجتمع


إعداد الطّالب
خادم شيخنا امباكّي عبد الودود الطّوبويّ

2018
** المقدّمة **
أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم، بسم الله الرّحمن الرّحيم
فتّاح وهّاب يا رزّاق يا ملكي** لي افتح وهب لي وارزقني بكن الآنا
............الخ
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الّذين اصطفى
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أيّها الإخوة، الحضور الكرام، بعد التّحيّة الإسلاميّة المباركة، نستميح منكم العذر على جلوسنا أمام حضراتكم هذه الجلسة الّتي لسنا لها بأهل، سائلين المولى سبحانه وتعالى أن يوفّقنا لما يحبّ ويرضى، ويبارك لنا في جلستنا هذه، حتّى تكون من اللّواتي تحفّهنّ الملائكة بأجنحتها، وبعد:
فإنّي أمامكم اليوم تلبية لطلب اتّحادنا المبارك، الّتي لم يزل يهتمّ بمصالح أبنائه، وينوي لهم كلّ خير، حيث طالب منّي إلقاء محاضرة بعنوان ( الرّوابط بين الأسر الدّينيّة في السّنغال وأثرها على استقرار المجتمع)، حيث رأوا مدى أهمّيّة هذا الموضوع ومناسبتها لما نعيشه اليوم في وسطنا السّنغالي، ورأوا ضرورة تسليط الضّوء عليه، ومناقشتها معا كطلّاب مثقّفين وسطيّين يمثّلون مستقبل البلاد، وقد قبلت لهم طلبهم، متوكّلا على الله سبحانه وتعالى، رغم حساسيّة الموضوع وقلّة المراجع عنها، إلّا بعون الله وفّقت في إعداده، وإتمامه في مقدّمة وخاتمة، و ثلاثة فصول بمباحثها، وهي كالتّالي:
الفصل الأوّل: التّصوّف في السّنغال
1-          المبحث الأوّل: دخول التّصوّف في السّنغال
2-          المبحث الثّاني: الطّرق الصّوفيّة والأسر الدّينيّة في السّنغال
الفصل الثّاني: الرّوابط بين الأسر الدّينيّة في السّنغال قديما
الفصل الثّالث: الرّوابط بين الأسر الدّينيّة في السّنغال حديثا
1-          المبحث الأوّل: الوضع الحالي للرّوابط بين الأسر الدّينيّة
2-          المبحث الثّاني: أسباب تدهور العلاقات بين الأسر الدّينيّة وأثره على المجتمع
3-          المبحث الثّالث: حلول مقترحة لتحسين الوضع
  هذا، وقد راعينا فيه قدر الاستطاعة من الموضوعيّة، والشّفافيّة، سائلين المولى سبحانه أن يعيننا على إبلاغ الرّسالة كما أعاننا على صياغتها، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه.                          

خادم شيخنا امباكّي عبد الودود
18/07/2018م – مدينة البعوث الإسلاميّة





((الفصل الأوّل: التّصوّف في السّنغال))

المبحث الأوّل: دخول التّصوّف في السّنغال

        السنغال كما نعرف دولة ذات أغلبية مسلمة ، والإسلام في السنغال ينحصر بين فرقتين ، أولاهما يدعون أنفسهم بالسلفيين ، والآخر يعرفون بالصوفيين وهم الأغلبية الساحقة .وقد دخل التصوف البلاد منذ مئات السنين، وكان المتصوّفون يهتمون بالتعليم والعبادة ، كما كان بعضهم مجاهدا ضد الاستعمار. فلعبوا دورا هاما في استقلال البلاد وفي بقائها دولة مسلمة.
والتصوف الإسلامي مظهر من مظاهر الزهد الذي تطور في العصر الأول للإسلام وخاصة زمن الصحابة والتابعين، علما بأن الحياة الروحية نمت وتطورت داخل المنظومة الإسلامية. وقد ظهر التصوف الإسلامي في السنغال منذ عهد المرابطين الذين أدخلوا الإسلام في المنطقة بصفة رسمية في القرن الحادي عشر الميلادي، وكان يغلب عليهم حياة الزهد والتقشف ومجاهدة النفس.
 وعرفت الحياة الصوفية في البلاد السنغالية تطورا وازدهارا عندما وفدت إليها الطرق الصوفية من شمال أفريقيا مثل الطريقة القادرية، والتجانية، والشاذلية وغيرها. فالإسلام في السنغال إسلام صوفي طرقي  ، ويكاد يجمع معظم السنيغاليين على ضرورة الإنتساب إلى طريقة صوفية ، ولا يتم إسلام المرء دون التّعلق بشيخ صوفي يهديه ويرقيه وذلك اتباعا واعتقادا بالاثر الصوفي القائل “من لم يكن له شيخ فالشيطان شيخه”. وعلى هذا فالمواطن السنغالي إما أن يكون منتميا إلى الطريقة القادرية او التيجانية،أو اللّاهينيّة، أو الطريقة المريدية.[1]
ويبيّن الباحث عبد القادر سيلا في كتابه( المسلمون في السّنغال) أنّ الطّرق الصّوفيّة ظهرت في أطراف الصّحراء الكبرى أثناء مرور الشّيخ محمّد بن عبد الكريم المغيلي التّلمساني بموريتانيا، وهو في طريقه إلى نيجيريا، في القرن الخامس عشر الميلادي، حيث أخذ عنه الطّريقة القادريّة بعض أعيان قبيلة ( كنت)، ومن ثمّ بدأت تنتشر في غرب أفريقيا.[2]
وقد ازدادت أهمّيّة الطّرق الصّوفيّة في السّنغال من بداية القرن التّاسع عشر لتبلغ أوجّها مع بداية هذا القرن.[3]
وقد أخذ التصوف الإسلامي طابعا طرقيا منذ القرن السادس للهجرة، واحتل مكانة هامة في الحياة الدينية الإسلامية، وقد أصبح للتصوف نظام خاص يتمثل في وجود شيخ يتجمع حوله اتباعه ومريدوه في اماكن خاصة أطلقت عليها تسميات مختلفة باختلاف الازمنة والأمكنة وذلك مثل الرباط والزوايا، كما كانت له شروط معينة ينبغي التمسك والالتزام بها وذلك كممارسة الاذكار والاوراد والانقياد التام للمريد، ويطلق على من ينضم الى الطريقة اسم المريد. 
أما تاريخ تأسيس الطريقة الصوفية فيرى بعض المؤرخين للتصوف الاسلامي انه تم قبل الغزو المغولي اي قبل تاريخ 1258م، فقد ظهرت في العراق الطريقة الجنيدية ، والحلاجية، والتسترية ، وغيرها ، وذلك نسبة إلى مؤسسيها.   ويبدو ان الطرق الصوفية ظهرت وانتشرت بشكل أوسع في القرن السادس الهجري وذلك منذ ظهور الطريقة القادرية نسبة الى عبد القادر الجيلاني (ت561هج )والرفاعية نسبة إلى احمد الرفاعي (ت 578هج) كما ظهرت في القرن السابع الهجري طرق اخرى مثل الطريقة الشاذلية نسبة إلى أبي الحسن الشاذلي ، وقد انتشرت هذه الطريقة في بلاد المغرب ومصر وأفريقيا جنوب الصحراء. وبعد القرن الثامن الهجري توسع نطاق الطرق الصوفية في أنحاء العالم الإسلامي من بلاد الصين شرقا إلى السنغال غربا،[4]فظهرت طرق من أهمّها التّيجانيّة الّتي تنسب إلى أبي العبّاس التّيجاني، والتي انتشرت في بلدان كثيرة مثل المغرب والجزائر وغرب إفريقيا بشكل كبير، والمريديّة الّتي  تنسب إلى الشّيخ أحمد بمبا امباكّي السّنغالي، وغيرها من الطّرق



المبحث الثاني: الطّرق الصوفيّة، والأسر الدّينيّة في السّنغال

الطريقة في اصطلاح الصوفية: اختلف الصوفية في تعريفها، فمنهم من عرفها بأنها: اسم لمنهج أحد العارفين في التزكية والأذكار والأوراد أخذ بها نفسه حتى وصل إلى الله، فينسب هذا المنهج إليه ويعرف باسمه فيقال: الطريقة الشاذلية والتيجانية والرفاعية مثلا، ويسميها البعض بالمشيخات لأنها ينسب كل طريقة إلى شيخها.  
وعرفها البعض بأنها المسلك أو الأسلوب الذي يوصل إلى المقصود بسهولة ويسر.
وعرفها البعض بأنها: المنهج او الأسلوب الذي يستنبطه شيخ الطريقة من الكتاب والسنة المطهرة لتطبيق الشريعة الإسلامية تطبيقا كاملا بظاهرها وجوهرها.
  ومن أشهر الطّرق الموجودة في السّنغال في وقتنا الحاضر:
الطّريقة القادريّة:
تعد أقدم الطرق الصوفية في السنغال، ويرى أكثر الباحثين أنّها دخلت إلى غرب افريقيا في القرن الخامس عشر الميلادي، والقادرية طريقة صوفية سنية أسسها القطب الغوث سيدي عبد القادر الجيلاني . ووصلت البلاد بدءا من القطب الجيلاني إلى الشيخ أبي مدين الغوث إلى الشيخ محمد بن عبد الكريم المغربي إلى الشيخ سيدي عمرو الشيخ حتى وصل إلى الكنتيون( الشيخ سيدي مختار الكنتي) ومنهم إلى أسرة شيخ سيدي الكبير ، وأسرة الشّيخ محمّد الفاضل، ولكلّ من هذه المراكز الثّلاثة فروع أو تفرّعات في السّنغال منها:
1-          مركز انجاسان: حيث يسكن فيها الكنتيّون، ويوجد فيها ضريح الشّيخ بو كنت المتوفّى 1914م.
2-          مكّا كوليبانتان: حيث يسكن فيها عائلة جابي غسما
3-          مركز دار السّلام: أسّسها الشّيخ محفوظ بن طالب خيار المتوفّى 1917، أحد أحفاد الشّيخ محمّد الفاضل.
الطّريقة الشّاذليّة:
كانت ثانية الطرق دخولا في البلاد ، وكانت منتشرة في ذالك الوقت ، إلا أنها الآن لم تعد منتشرة كما كانت ، ولانعرف سلسلتها ولا روادها في الوقت الحالي .
والطريقة الشاذلية تنسب إلى مؤسسها ايي الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبار بن تميم الشّاذلي، ويرجع نسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد تأثر أبو الحسن بالإمام الغزالي وكذلك بابي مدين ، ولذا تعد مدرسته في عداد المدارس الصوفية السنية .   لم تنتشر كثيرا الطريقة الشاذلية في أفريقيا بصفة عامة وفي السنغال بصفة خاصة كما انتشرت فيها الطرق الصوفية الأخرى مثل القادرية والتيجانية وغيرهما، ولكن مع ذلك كله فإن تعاليم الشاذلية انتشرت إلى أجزاء من القارة الإفريقية وعلى وجه خاص في السودان وكان من الذين تلقوا تعاليمها في غرب افريقيا أحمد التمبكتاوي الفلاني وقد وصلت الشاذلية إلى شنقيط، وقد تسربت الطريقة إلى بلاد السنغال واعتنقها بعض علماء السنغال وكان من أبرزهم الشيخ مور غلاي جاو الذي كان مشهورا في علم الخليل ، كما ان الشيخ أحمد بامبا مؤسس الطريقة المريدية أخذ فترة من الزمن هذه الطريقة وتوسل كثيرا بابي الحسن الشاذلي في قصائده،  وهذا يعني ان هذه الطريقة كان لها حضور ولو نسبيا في البلاد السنيغالية.

الطّريقة التّيجانيّة:
ترجح المصادر التاريخية انه عن طريق موريتانيا تسربت  التجانيةإلى  البلاد السنغالية وخاصة على يدي الشيخ الموريتاني محمد الحافظ بن المختار الذي اخذ الطريقة على يدي مؤسسيها مباشرة . (6)   ويرجع إنتشار الطريقة التيجانية بشكل واسع في غرب افريقيا عموما وفي السنغال خصوصا إلى جهود الحاج عمر الفوتي تال التكروري (ت1864). وقد أخذ الشيخ الحاج عمر الفوتي الطريقة التيجانية عن الشيخ مولود فال ، ومرة ثانية عن الشيخ عبد الكريم بفوتا جالون  ، وفي عام ( 1827م   ) ذهب الحاج عمر إلى بيت الله الحرام لأداء مناسك الحج وقد لقي هناك الشيخ محمد الغالي وأعطاه من جديد الورد التجاني بعد ان لازمه ثلاث سنوات وخدم له ثم جعله مقدما للطريقة التيجانية وخليفة للشيخ أحمد التيجاني في البلاد السودانية. .   وبعد وصوله إلى أرض السودان قادما من بلاد الحجاز سعى الى نشر الطريقة التيجانية في أفريقيا، ومع الشيخ عمر الفوتي تال تجذرت الطريقة التيجانية في السنغال و تأسست فروع وزوايا في شتى أنحاء البلاد ومنها:
1-          تيواوون: أسّسها العارف بالله والمجدّد الكامل سيّدي الحاج مالك بن عثمان سه رضي الله عنه، المتوفّى 1922م، وتعدّ من أكبر مراكز التّيجانيّة في البلاد.
2-          زاوية كولخ: أسّسها العارف بالله الشّيخ عبد الله انياس المتوفّى 1922م، ومن بعده أبناؤه، ومن أبرزهم الحاج محمّد الخليفة انياس المتوفّى 1959م، وصاحب الفيضة الشيخ إبراهيم انياس المتوفّى 1975م، رضي الله عنهم أجمعين.
3-          زاوية الحاج عمر الفوتي: وتوجد في دكار، ويرأسها أحفاد الحاج عمر الفوتي رضي الله عنه، ومن أبرزهم الحاج سعيد نور تال المتوفّى 1979م.
4-          تجنَبَهْ: أتباع أحمد الشيخ المعروف بالتيجاني، المتوفى 1870م عند معركة سامبصاجو.(الأدب السنغالي).
5-          زاوية مدينة غوناس.

الطّريقة اللّاهينيّة:
يعتبر بعض الكتّاب اللّاهينيّة تفرّعا من تفرّعات التّيجانيّة لكون مؤسّسها تلميذا لأحد شيوخ التّيجانيّة، إلّا بعضا منهم ينكرون ذلك، ويقولون باستقلال طريقتهم.
وقد ظهرت هذه الحركة عام 1880م في قرية يوف، على يد الإمام المهدي لاي اتياو رضي الله عنه. وينميّزون بذكر الله في جماعات، لابسين البيض، رجالهم ونسائهم.

الطّريقة المريديّة:
المريدية طريقة صوفية محلية تأسست على يد الشيخ أحمد بامبا البكي المعروف بخادم  الرسول صلّى الله عليه وسلّم (1855 1927). والمريدية من المريد، يعني الطالب. أمّا في الاصطلاح الصوفي فالمريد هو السالك الذي يريد ان يصل إلى الحضرة الالهية قبل كل شئ وينال بالتالي صفة الشيخ الروحي، ويرى بول مارتي ان السنيغاليين منذ بداية القرن العشرين الميلادي انتهوا بهذه الصيغة (مريد) إلى تعيين مجموعة اتباع الطائفة الدينية الجديدة التي يقودها سرنج أحمد بامبا بصفة خاصة .  ويعتقد بعض الباحثين أنّ المريديّة امتداد للقادريّة، معتمدين على العلاقات الوثيقة الّتي ربطت بين الشّيخ أحمد بمبا والشّيخ سيدي بابا، والأقرب للصّواب: أنّها خلاصة صوفية اعتمدت على تجارب صاحبها الشخصية في الميدان الصوفي بعد ان مارس مختلف الطرق الصوفية وأفكار عدد من رجالاتها كاليدالي وابن عطاء الله والغزالي وغيرهم.
إذا، فهذه هي أبرز الطّرق الصّوفيّة الموجودة في السّنغال في الوقت الحاضر، وبعض هذه الطّرق كالتّيجانيّة والقادريّة تضمّ أسرا وجماعات دينيّة، لكلّ منها مشايخها وأتباعها.
وفي الصّفحات التّاليّة نخوض في بحر العلاقات التي ربطت بين هذه الأسر الدّينيّة قديما وحديثا، شيوخا وأتباعا، مبيّنين حقيقة هذه العلاقات ومدى قوّتها أوضعفها.









((الفصل الثّاني: الرّوابط بين الأسر الدينيّة قديما))

كان شمل شيوخ السّنغال مجموعا، وكان بنيانهم مرصوصا، وكانت تربط بين قلوبهم أواصر العهد والصّداقة، وتجمع بينهم وشائج الأخوّة والتّحابب في الله، فلم يكن اختلاف طرقهم داعيا إلى التّنافر والخلاف، أو سببا في انشقاق كلمتهم، بل جمعهم جميعا في باحة يتضوّع منها أريج المحبّة والوئام والاحترام.[5]
وكانوا يرون أنّ الطّرق ماهي إلّا وسائل لنيل المطلوب، ومطلوبهم واحد، وهو الوصول والقرب من المولى سبحانه، ولديهم إمام واحد، وهو المصطفى صلّى الله عليه وسلّم. ولخلوّ قلوبهم من الحسد، وأفكارهم من التّعصّب، لم يكونوا يخضون في التّفاضلات والمشاجرات والمشاحنات الطّرقيّة التي نعرفها الآن، بل كانوا يحاربون ذالك، ويبيّنون في كتبهم أنّ الطّرق كلّها موصلة إلى الله سبحانه، وفي ذالك يقول العبد الخديم رضي الله:
فكلّ ورد يورد المريدا***لحضرة الله ولن يحيدا
سواء انتمى إلى الجيلاني***أو انتمى لأحمد التّيجاني
أو لسواهما من الأقطاب***إذ كلّهم قطعا على الصّواب[6]

ويقول الشّيخ سيّدي الحاج مالك سه رضي الله عنه:
والخلف في الطّرق والمذاهب *** تباين الأذواق والمشارب
لذاك بعض الأولياء ينكر *** بعضا وما عليه الاثم يوثر
إذ كلّ واحد يفيض الله *** عليه مالم يعطه سواه[7]
وكذالك كانوا يحذّرون النّاس من التّنازع والتّباغض في مابينهم، ويحثّون على التّحابب والتّعاون والتّآخي، يقول الإمام المهدي لاي رضي الله عنه في إحدى وصاياه[8]:
"...وأوصيكم أن تجعلوا بينكم المحبّة، فإنّ أهل الجنّة يتحابّون. ولا تجعلوا بينكم العداوة والبغضاء، أنتم كنتم إخوانا، اعلموا أنّ المؤمن أخوه المؤمن كما قال تعالى: ( إنّما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلّكم ترحمون).
وقال أيضا:
واعلموا أنّ الدّين نصيحة، ومحبّة، وتعاون، ومتع في الدّين الجدال، والمراء، ومنع في الدّين التّسافل، والتّعايب، والتّنازع والتّنابز، ولا تنازعوا إلّا إلى الهدى والتّقوى، وكلّكم فليأخذ بسيّده وملاذه ويعمل بما أمره به، ويقتد به في خلقه."

ويقول مولانا شيخ الإسلام إبراهيم انياس يوصي إخوانه:
لاتحقرنّ مسلما لا تذكرا** عيب امرئ والعيب منك قد يرى
لا تضرّنّ مسلما ولو ظهر***ضرّ على يديه دأبا فاغتفر
فإنّ ذا الخلق عباد الله** فلا تضر أخي عباد الله[9]
ويقول الشّيخ الخديم رضي الله عنه:
فلا تعادوا من رأيتم فاه*** يخرج لا إله إلّا الله[10]
هكذا كان أجدادنا العظام، وهكذا كانوا يربّون أتباعهم. ولم ينحصر ذالك في الجانب النّظري فقط، بل كانوا يطبّقوا ذالك على أرض الواقع ويقدّمون لذويهم نماذج قيّمة في التّعامل مع الغير، ويوجد مظاهر كثيرة للحبّ والاحترام الذي كانوا يضمنونها لبعضهم البعض، وكلّ ذالك لأجل أنّ لديهم دين مشترك، وأهداف مشتركة لاتتحقّق إلّا بالإتّحاد والتّعاون، بالإضافة إلى رابطة الدّم الّتي كانت تجمع بعضهم كالّتي بين الشّيخ الخديم وسيّدي الحاج مالك سه رضي الله عنهما، حيث يجتمعان في ثلاثة أجداد. وسنذكر في الأسطر القادمة بعضا من مظاهر المحبّة والاتّحاد والتّعاون فيما بينهم، وسنحاول الإتيان بمثال أو أكثر لكلّ واحد منها، ومن أبرز هذه المظاهر:

1-         الزّيارات المتبادلة فيما بينهم والهدايا والمراسلات الشّعريّة والنثريّة:
لايخفى على أيّ عاقل أنّ الزّيارات والهدايا والرّسائل عوامل مهمّة في تقوية العلاقات والرّوابط، وقديما قال الشّاعر:
زر من تحبّ وإن شطّت بك الدّار**وحال من دونه سهل وأوعار
لا يمنعنّك بعد من زيارته** إنّ المحبّ لمن يهواه زوّار
ولذالك كانت تكثر بينهم الزيارات التفقّديّة، والإهداء، والرّسائل. وقد سجّل لنا التّاريخ الكثير من تلك الزّيارات بين المريديّة والتّيجانيّة والقادريّة واللّاهينيّة. ومن أبرز هذه الزّيارات الّتي سجّلتها التّاريخ تلك الزّيارات المتبادلة الّتي كانت تدور بين الحاج عبد العزيز سه الدبّاغ والشّيخ عبد الأحد امباكّي رضي الله عنهما، حيث يعتبران من الّذين سخّروا حياتهم لتوحيد صفوف المسلمين، ومحاربة التّنازعات الطّرقيّة. فالشّيخ عبد العزيز كان كثير الذّهاب إلى طوبى، في المناسبات وغيرها، وكانت تربطه علاقات أخويّة ودينيّة عميقة مع كلّ واحد من أبناء الشّيخ الخديم رضي الله عنهم، وكلّنا نتذكّر ذالك اليوم الّذي زار فيه أخاه الشّيخ عبد القادر امباكّي رضي الله عنه في طوبى عند تولّي هذا الأخير الخلافة المريديّة، حيث أقام الشّيخ عبد العزيز للصّلاة خلف الإمام الشّيخ عبد القادر، وبعد الصّلاة ألقى الشّيخ عبد العزيز كلاما قيّما سيتذكّره التّاريخ إلى آخر العمر.
كما كان للحاج عبد العزيز أيضا علاقات وثيقة تربطه بأهل انجاسان القادريّون، وأهل كولخ بشقّيها ( لون و مدينة)، وباللّاهينيّين والعمريّين، وأهل تيانبا وغيرهم، وكان كثيرا مايزورهم ويكتب فيهم الأشعار مادحا إيّاهم أو مرثيّة في فقيدهم، ومن ذالك:
قوله في حقّ الشيخ عبد الأحد امباكّي رضي الله عنه:
منّي إلى ابن العارف السّنّيّ *** خديم شافع الورى البكّيّ
نجل حبيب الله عبد الأحد *** وارث سرّه بلا تردّد
ويقول مخاطبا شيخ السلام الحاج سلام الحاج براهيم انياس رضي الله عنه
يانخبة العلما كنز المساكين *** شيخ المشائخ في الإسلام والدّين
سلالة القطب عبد الله وارثه *** خليفةِ الشّيخِ حقّا دون تخمين
ويقول في حقّ الشيخ يحيى الكنتي رضي الله عنه:
أتى ابن عمّكم يا أهل انجاسان *** عبد العزيز يعزّي خير إخوان
سيّد يحيى رفيع الصّيت والهمم *** حامي الشّريعة بالتّقوى وعرفان
من خصّه الله مولانا العلي رتبا *** لم يحوها غيره من دون نكران
وأمّا الشّيخ عبد الأحد فكان آية في صلة الرّحم المتمثّلة في كثرة دعوته للمريدين بالتّحابب مع إخوانهم من الطّرق الأخرى، وكان يكثر كثيرا من الزّيارات التفقّديّة، ومن أبرزها ذالك اليوم الّذي زار فيه مدينة تيواوون في عهد الخليفة الحاج عبد العزيز، وفي مساء ذالك اليوم ذهبا معا إلى نجاسان لزيارة الخليفة هنالك.
وبالإجمال، فإنّ الزّيارات كانت عادة فيما بينهم، ولو اتّسع الوقت لذكرنا منها ما يشفي الغليل، كالزّيارات المتعدّدة للشّيخ إبراهيم انياس رضي الله عنه إلى كلّ من طوبى وتواوون و انجاسان وغيرهم من المدن، وكذالك علاقته الوثيقة مع كلّ من الشّيخ محمّد الفاضل امباكّي والشّيخ أحمد امباكّي رضي الله عنهما، وكذالك مع كلّ من الشّيخ أحمد تيجان سه المكتوم وغيره من أهل تيواوون. وكذلك الزّيارات الّتي كانت تقوم بها خليفة اللّاهينيّين إلى جميع الأسر الدّينيّة.
وأمّا الهدايا، فقد كانوا عندما يعوقهم عائق عن الزّيارة يرسلون الرّسائل مع الهدايا، وتلك الرّسائل غالبا ما تكون أبياتا شعريّة يعبّرون فيها عن ما في قلوبهم من المحبّة والشّوق، ومن ذالك تلك المراسلة الّتي دارت بين العبد الخديم وسيّدي الحاج مالك سه رضي الله عنه، عندما أرسل إليه هذا الأخير هديّة ( تفسير الجلالين) مرفّقة ببيتين:
هديّة موجبها اجتلاب** محبّة يا أيّها الحباب
أدام ربّنا لنا حبل الوصال** وكفّنا شرّ الّذي عادى وصال
فأجابه الشّيخ الخديم ببيتين:
جزاكم خير الجزآ الوهّاب** وفي صفا الوداد لا ترتابوا
فكيف لا والمصطفى المجاب** إمامنا والقتل لا نهاب[11]
وكذالك تلك المراسلة الّذي دارت بين العبد الخديم والحاج عبد الله انياس رضي الله عنهما، حيث أهدى هذا الأخير كتاب ( تفسير الجلالين) للحاج عبد الله، ففرح بذالك كثيرا، وأمر ولده الحاج محمّد الخليفة رضي الله عنه بالرّدّ عليه بأبيات، مطلعها:
أزكى سلام كطعم الشّهد بالرّاح** ينوب عنّا وصال الرّاح بالرّاح
أزكى سلام كريّا المسك نفحتُه** معطّرا بنواحي الشّيخ فوّاح
.....الخ
ومن تلك المراسلات، الرّسالة التي كتبها الشّيخ إبراهيم انياس رضي الله عنه إلى الشّيخ امباكّي بوسو يصله فيها ويسأله عن بعض الأمور، فأجابه هذا الأخير برسالة قيّمة، يقول فيها:
..... و عليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته أيها الولد البآر ونجل السادة الكرام البررة ،الحآج إبراهيم بن الحاج عبد الله ايناس كان الله له وتولانا وإياه ، يليه  إعلامك بأني مسرور ببراوتك اللذيذ الخطاب .  ومامعها من الهدية المقبولة المرضية .  فجزاكم الله تعالى عنا خيرا ووقاكم هما وغما وضيرا .  هكذا بر الأبنآء بالآبآء .  فيرجى لهم نيل البركات .  "هكذا هكذا وإلا فلا لا" البيت ؛ أماماذكرت فيها من التحابب في الله تعالى فاعلم يابني أن ذالك شيء ورثتموه من الآبآء الأولين .  هكذا كانوا مع أصولنا الأقدمين .  وأرجو من الله أن يديم ذالك بين الذرية أجمعين .  قال:
ورثـــنـا مـن الآبآء حفظ ودادكم** ونحـن إذامـتـنا نـورثـه الأبـنـآ
  وأما التماسك منا صالح الدعاء فإني التزمت ذالك لجميع المسلمين حيث كانوا.  ولاسيما من قام بإحيآء السنة الغرآء مثلكم.  فلاعدمناكم ولاعدمنا بركتكم...... الخ.
ومن ذالك أيضا ما يرويه صاحب الإرواء قائلا[12]:
وأخبرني أخِي محمد بن أحمد علي الیعقوبي المعروف بمُحمد طوبى
إنه في بعض زیارته مر ب (تِوَاوُنْ) وزار الحاج مالك سِهْ، فلما علم أنه
متوجه إلى الشیخ قال له إنِّي مرسل معك كلمات إلى الشیخ فإذا وصلت فسلم مني علیه، وذكره بلیلة إتیاني له في اندَرْ وبیاتي معه في البیت لا ثالث معنا إلا الله، فإذا تذكر وعلم بصدقك، فقل له: إنِّي عَلى العهد الذي عاهدته علیه.
قال مُحمد: والله لا أعرف ما العهدُ ولا زادني هو علیه شَیئا، فلما وصلت
وذكرت الشیخ باللیلة فتذكر قلت له: ما قال ففرحَ وصدقني وصدقه وأثنى
علیه كثیرًا وجَعل یفرك أذني وأنفي ویضحك من سُرورهِ ".

ويقول صاحب المنن في العلاقة بين العبد الخديم والحاج مالك سه رضي الله عنهما:
.... وكانت هذه الرّحم موصولة من الطّرفين، وكانت المراسلة بينهما دائمة والبراوات، لا تحدث حادثة لها بال عند أحدهما إلّا ويرسل للآخر إعلاما، وكانا متصافيين. زاره شيخنا في قرية انجارنده في كجور، لبث ضيفا له مدّة غير طويلة، وركب الحاج مالك لتشييعه مسافة طويلة، وتهاديا مرّات ...."
ومن ضمن الزّيارات أيضا تلك الّتي كانت تدور بين كلّ من الحاج عبد الله انياس وأخيه الحاج مالك سه رضي الله عنهما، حيث ربطتهما علاقات وثيقة امتدّت إلى أبنائهما.
ووكان بإمكاننا الإتيان بالمزيد من الأمثال حول هذه النّقطة، ولكن ضيق المقام يفرض علينا الإيجاز، وقد نأتي بأمثال أخرى في النّقاط القادمة. 

2-         حسن الظنّ في بعضهم البعض:
ونقصد بذالك تلك المعاملات الّتي كانت تنمّ عن ثقة وحسن ظنّ عميق فيما بينهم، فكلّ واحد منهم كان يعتبر الآخر سيّده، وأنّه أعلى منه منزلة، وكانوا يثقون ببعضهم البعض في أهلهم وفي أموالهم، ويشهدون لبعض البعض بأجلّ الأوصاف في كتبهم وأقوالهم، ويدخل في ذلك المصاهرة الّتي كانت تربطهم أحيانا، وكذلك تسمية أولادهم ببعضهم البعض، ومن ذالك:
ما ينسب لسيّدي الحاج مالك سه الّذي كان صديقا ورفيق دراسة للشّيخ امباكّي بوسو في ( كر شريف قرب بر)، أنّه قال: إنّه لو لم يكن لي دليل على كمال الشّيخ أحمد بمبا إلّا صدق عقيدة امباكّي بوسو فيه وسلوكه على يديه مع معرفته له لكفاني حجّة ".
ومن ذالك ما سمعته من الشّيخ باب مالك سه بن الشّيخ الخليفة أبي بكر سه رضي الله: أنّ سرج شيخ حواء بلّا امباكّي بن شيخ إبراهيم فاط رضي الله عنهما كان يزور الوالد كثيرا، وأحيانا كان يأتي إلى البيت ويأخذ معه الشّيخ أحمد تيجان سه الّذي كان صغيرا في ذالك الوقت، وعندما يأتي لأخذه يجد والداه قد جهّزاه، فيأخذ معه دون أن يسألوه عن وجهتهأ أو ما سيفعله به، ثمّ يرجع معه بعض أسابيع ويتركه في البيت ويذهب.
ومن ذالك ما يقال بأنّ الشّيخ إبراهيم انياس رضي الله عنه كان ذات يوم يستمع للمذياع وبقربه أحد أتباعه، وكان الشّيخ محمّد الفاضل امباكّي يتكلّم، فقال المريد: هذا كلامه في الولوفيّة بليغ، لو كان يتقن العربيّة لكان أبلغ، فقاطعه باي انياس بقوله: قل لو شاءه أن يتحدّث بها، هذا محمّد الفاضل امباكّي، أعرب النّاس وأشعرهم. فسكت المريد.
ومن ذالك ما سمعته من ثقة أنّ الشّيخ إبراهيم فال رضي الله عنه عندما كان الشّيخ الخديم في غيبته البحريّة، وكان يرسل إليه الأطعمة وخاصّة اللّحوم، والشّيخ إبراهيم فال كان يطلب من الحاج مالك سه رضي الله عنه أن يذبح له الخراف،[13] لأنّ الشّيخ الخديم إذا عرف بذالك سيسعده جدّا.
وأمّا الشّهادات، فمنها ما نجد في كتب بعضهم يثنون فيها ويشهدون بالخير لبعضهم البعض، ومن ذالك قول الشّيخ إبراهيم انياس في العبد الخديم رضي الله عنهما، حيث قال في خاتمة منظمته روح الأدب عند استشهاده بإحدى أبيات الخديم:
قد قال في هذا المجال الأمجد** خديم طه المالكيّ أحمد
فليس يكسب سواد الجسم** بلادة الفتى وسوء الفهم
ومن ذلك ما قاله الشّيخ محمّد البشير امباكّي في كتابه المنن الباقي القديم، حيث وصف سيّدي الحاج مالك سه رضي الله عنهما بقوله: العالم الجليل، والشّيخ الفخيم، الحاج مالك سه، مجدّد التّيجانيّة في هذا القطر، وإمامها السّنّيّ الورع، أحد أئمّة المسلمين وجهابذة الصّالحين ..".
وقال الشّيخ عبد العزيز سه الدّبّاغ في الشّيخ عبد القادر امباكّي رضي الله عنهما:
من أن ينظر إلى أهل الجنّة فوق الأرض فلينظر إلى الشّيخ عبد القادر امباكّي الّذي يمشي كالملك، لأنّه يستحضر عظمة الله تبارك وتعالى أوان مشيه.
وقد يطول هذا الباب لكثرة ما نستطيع إيراده فيه من النّماذج والأمثلة، فلا أحد يعرف كميّة الأشعار التي قيلت، وكلمات الثناء التي ألقيت، فلكلّ شيخ من مشايخ البلاد ديوان أو أكثر في مدح، أو تهنئة، أو تعزية، أو شكر للآخرين من المشايخ، ولكن نكتفي بما ذكرنا لمراعات الوقت.
3-         الوقوف معا لحلّ مشاكل المسلمين:
هذه النّقطة من أهمّ الأشياء الّتي تميّزت بها علاقاتهم، فكلّهم راع، وهم مسئولون عن رعيّتهم، ولشعورهم بهذه المسئوليّة كانوا يتباحثون فيما بينهم ويتشاورون كلّما جدّت مشكلة بالمسلمين، وذالك لأجل إيجاد حلول يتوافق مع الدّين والمجتمع، ويحثّون بعضهم البعض على ذالك دون أن يخافوا في الله لومة لائم.  وبذالك كانت لهم دور كبير في حفظ البلاد وإبقائها مسلمة رغم محاولات الاستعمار الكثير في تنصيرها أو إبعادها عن الإسلام.
وقد حفظ لنا التّاريخ بعضا من المواقف واللّقاءات الّتي دارت بينهم في هذا الموضوع، والّتي تنمّ عن شعور كامل بالمسئوليّة، وجاهزيّة تامّة لحلّها، ومن ذالك الرّسالة الّتي كتبها الشّيخ هادي توري الفاسي إلى الشّيخ محمّد الفاضل امباكّي رضي الله عنهما، وذالك بلفظ ينمّ عن مدى قوّتهم في الحقّ، وشعورهم بالمسئوليّة. حيث يقول في وسطها:
....  والیوم وبَعد استقلال الدُّول الإسلامیة فمابالها لم تحكم بماأنزل الله ؟ أي لم تطبق تطبیقا شَاملا الأحكام الشرعیة. نعم لسنا رؤساء جُمهوریات ولا بِصدد البَحث عن شَيء من هذا المیدان الواسع الخطیر، لكنا كرجَال الدین علینا حتما نصیحة المُسلمین، الدین النَّصیحة الخ. وعلینا توحِید الجُهود لدرس
قضایانا ومشكلاتنا الدِّینیة والإجتماعیة مثلما قلت في هذه الإختلافات بین
الناس في الأهلة كلّ عام، وهذا یتطلب فینا مزیدا من التآلف والتواخي في
نطاق الإسلام بغض النَّظر عن الطرق والطوائف عملا لقوله علیه السلام :
(( لا تَقاطعوا ولاتدابرُوا ولا ولا الخ )). یجبُ علینا تفهم هَذا الحدیث
وإفهامه الناس ثم العمل به لقوله تعالى: { وما آتاكُم الرَّسُول فخُذوه ومَا نهَاكُم عنه فا نتهُوا }.هَذا، وكثیر من الناس ینوون الخیر ویحبُّون الرشد لكنهم لم یعرفوا لأنَّهم لم یُعَلموا. والحقُّ إنَّما الشُّیوخ هُم الذین تقاصرُوا عَن أداء واجباتهم، فإرشاد الناس وتعلیمهم وتوجیههم توجیهًا إسلامیا من وظائفهم.... الخ.
وقد أورد الأستاذ عبد الكريم سار في كتابه ( التّاريخ السّياسيّ للإسلام في السّنغال) بعضا من المجالس والجمعيّات والمؤتمرات التي نظّمنت من قبل مشائخ البلاد، وذالك لإيجاد الحلول حول المشاكل الطّارئة، ومن ذالك:
-     نشأة ما يسمّى بالمجلس الأعلى لمشايخ الإسلام في السّنغال، عام 1959م، وذالك على يد بعض  مشايخ البلاد، كي يكون ذالك المجلس إطارا يشرف على شئون المسلمين في البلاد ومرجعا لهم في حياتهم الدّينيّة والإجتماعيّة والثّقافيّة والسّياسيّة" ومن الّذين شاركوا في التّأسيس: الشّيخ سعيد نور تال رئيسا، والشّيخ محمّد الفاضل امباكّي نائبا للرّئيس، والكاتب العامّ الشّيخ إبراهيم انياس، ونائبه الشّيخ أحمد امباكّي. وبعد التأسيس حاول الشّيوخ توسيع دائرة المجلس وترسيخ جذوره في البلاد. فقام وفد بزيارة ميدانيّة للاتّصال بالقيادات الدّينيّة الباقية.
-     حركة شيوخ الإسلام: ولدت هذه الحركة بمبادرة مجموعة من الزّعماء الدّينيّين في السّنغال بعد الاجتماع الّذي دعا إليه الشّيخ محمّد الفاضل امباكّي الخليفة العامّ للطّائفة المريديّة في مدينة دار السّلام، للنّظر في قانون الأحوال الشّخصيّة الّذي تسلّمه من الرّئيس الأوّل ليوبول سيدار سنغور الّذي طلب منه ومن الزّعماء الدّينيّين مناقشة هذا المشروع فيما إذا كان تطبيقه على الشّعب السّنغالي أمرا ممكنا.  وحضر هذا الاجتماع كلّ من الشّيخ محمّد الفاضل الّذي دعا إليه، والشّيخ عبد العزيز سه، والشّيخ الحاج إبراهيم انياس، والشّيخ أحمد امباكّي، وسيّدي الأمين كونتا من مدينة انجاسان، والشّيخ إبراهيم سيكّ من مدينة تيانبا، والشّيخ الحاج دم من مدينة سوكون، والشّيخ سعيد نور تال، والحاج محمّد الأمين جين الإمام الرّاتب للمسجد الجامع الكبير بدكار، والحاج شمس الدّين اندوي القاضي الشّرعي بمحكمة داكار، وسيّدي منجون لاي الخليفة العامّ للطّائفة اللّاهينيّة.[14]
هذا وأكثر من المؤتمرات والجمعيّات التي أقيمت على أيديهم لخدمة الإسلام والمسلمين.

4-         الوقوف معا في السّرّاء والضّرّاء:
وأقصد بذالك ماكانوا يتراسلونها من رسائل تهنئة، أو تعزية أو غيرها، وكذالك من رسائلة تفقّديّة في وقت المحن، وكذالك مساعدتهم لبعضهم البعض في حلّ المشكلات وتخفيف البلايا التي تصيب بعضهم. ومن ذالك الرّسائل التّي كانوا يرسلونها للشّيخ الخديم رضي الله عنه عندما أراد الاستعمار تغريبه إلى نغابون، فكانوا يواسونه شفقة منهم له، وكانوا يعلّمونه بأنّهم يساندونه في موقفه، وأنّهم معه قلبا وقالبا، حتّى وصل البعض منهم كالشّيخ الحاج مالك سه رضي الله عنه الّذي قيل بأنّه أرسل أسماء أهل بدر للشّيخ الخديم.
وقيل بأنّ الشّيخ الخديم قبل استدعائه إلى اندر كان ذهب وقابل كلّا من الشّيخ شيث توري وسيّدي الحاج مالك سه رضي الله عنهما، وأخبرهما بأنّ يستعدّ لسفر مجهول،[15] وتكلّم معهم ببعض الأشياء الّتي لا نجد فائدة في ذكرها هنا، ثمّ قضوا تلك اللّيلة معا، وتفرّقوا في الصّباح، وكان ذالك قبل استدعاء الحاكم للشّيوخ.

ومنها ما سمعته من الشّيخ إبراهيم انياس رضي الله عنه في إحدى صوتيّاته يتحدّث عن الدّور الّذي لعبه سيّدي الحاج مالك سه في التّوسّط بين الاستعمار والحاج عبد الله انياس حتّى سمحوا لهذا الأخير بالرّجوع إلى بلده بعد أن غرّب إلى الخارج.
 يقول صاحب الإرواء: ومما حكى لنا من أعجب حبه وأغرب شفقته لخواص المؤمنين قال ما كنت في البحر أيام غربتي أتاني في بعض سنين أن أخانا {محمد شك} المعروف {بشرج لمبج} هـو وأخونا {محمد جوب} المعروف {بمجوب هرم شرج فت} غربهما النصارى ولا أدري إلي أي جهة أظلمت علي الدنيا وتكدر وقتي شفقة لهما لأني لا أحب أن يبتليا بما يكدر توحيدهما أو يسلبه معاذ الله فتضرعت إلي الله فيهما وقلت
   يا خيــر غافـر ذنوبا مكا * وخيــر قـادر أسيـرا فكا
   أفكك رقاب المسلمين فكا * وكف عنهـم ما يجر شكا
وهذان البيتان في قصيدته {وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} ولعل وصول خبرهما إليه وجده فيها فنسج الدعاء.[16]
ويدخل في هذا الباب الوفود المرسلة للتّهنئة والتّعزية والاحتفال بالأعياد الدّينيّة والطّرقيّة، ولشهرتها وتكرّر حدوثها وكثرتها، نرى عدم إيراد الأمثلة هنا، وذالك توفيرا للوقت، وكذالك بالنّسبة للقصائد المتبادلة فيما بينهم، حيث يزخر الأدب السّنغال بمئات من هذه القصائد، من جميع الأسر الدّينيّة في البلاد، ومن أبرز الشّيوخ في هذا المجال الحاج عبد العزيز الدّبّاغ رضي الله عنه وأرضاه، ولكن سنأتي بقصيدة واحدة فقط، وهي أنّه لمّا وافى الأجل المحتُوم الشیخ الحاج مالك سه والحاج عبد الله نیاس - رضي الله عنهما - في عام واحد، رثاهُما الشیخ امباكي بوسُو - وكان خلیلاً لهُما - بقصیدة رائعة بإذن من الشیخ الخدیم -رضي الله عنهما -، منها هذه الأبیات :
یا ثَلمةً فِي دِیننا الإسلاَم = مِن قَلع قرني هامة الأعلامِ
السَّیدین العَالمیْن الناسكین = المُسلكین لحضرةِ العلام
شمسٌ وشمسٌ عَام شَمس غَابتا = فبكى الورى لتكاثُف الأظلامِ
من لِلشَّریعَةِ والمَدارس والمَنا = بر والمعَارف بعد والأقلامِ
أو مَن لحلِّ المُشكلات إذا ونَتْ = أفكار كل مدقِّق مفهامِ
وا مالكا للسُّنةِ الغَراء وال = قُربى وللضُّعفاء والأیتامِ !
ما لیثُ غیل مِثل عَبد الله فِي = یوم الحُروب الباسِل المقدامِ
لو أنَّ نفسا من حَمام تفتَدى = لفَداكُما ألفًا من الأنَام
لكنَّه حَتم وقَد أبقیتُما = ذِكرا جَمیلاً والثَّناء السَّامِي
فجُزیتُما خیرا وعَن نفسیْكما = بالرِّوح والریحَان والإكرامِ

5-         نهي الأتباع عن القيل والقال فيما بينهم وبين إخوانهم من الطّرق الأخرى:
فبعض الجهلة والحسّاد كانوا يغتنمون بعض الفرص لتكدير هذه العلاقات، وقد فطن الشّيوخ لذالك مبكّرا، وأخذوا يبيّنون للنّاس مدى عمق الرّوابط بينهم، وأيضا كانوا يحثّون أتباعهم على تبادل الثّقة والمحبّة والأخوّة مع غيرهم من المسلمين، ومن ذالك ما يحكى أنّ الشّيخ الحاج مالك سه رضي الله عنه قال يوما
لأحد أتباع الشیخ الخدیم وهو مَرُ بَّه غَي : " اعلم یا مَرُ بَّه أن من تدخل بیني وبین أخِي الشیخ أحمد بامبا، وقال في العلاقة التي بیننا ما لا یلیقُ [ مُحاولا بذلك الإفساد بیننا ]فلیعلم أنه، وإن ادّعى التعلق ب" مَالك، فإنَّ مالكا یتبرأ منه ".[17]وينسب مثل هذا الكلام أيضا للشّيخ الخديم رضي الله عنه وإن لم أستحضره الآن.

ويقول صاحب الإرواء:
ومن أجلاء الشهداء السيد الجليل {الحاجُّ عبدُ الله سِيسِ السَّالُمِيُّ} كان حَسَنَ القولِ والاعتقاد في الشيخ تكلم قوم في مجلسه حتى ذكروا الشيخ وأخذه ورده من رسول الله صلي الله عليه وسلم فتكلم شخص من الحاضرين كأنه معترض فانتهره الحاج وقال ما تقول ألم يقل {الشيخ أحمد التيجاني} أنه أخذ بعض أوراده بإملاء من رسول الله صلي الله عليه وسلم؟ قال بلى قال وما كان إلا عالما عاملا تقيا سَنِيًّا حسنت ظنونُنا به فصدقناه وهل هذا إلا مثله عالما عاملا تقيا سنيا فلا يسعنا أن نصدقه بحسن ظننا الذي صدقنا به ذلك فانقطع الرجل ولم يحز منه جواب حسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير الحمد لله وكفى.
ومن ذالك أيضا ما وصّى به الإمام المهدي لاي رضي الله عنه بعض أتباعه عندما وقعوا في كلام مع بعض أتباع الشّيخ الخديم رضي الله عنه قائلا:
....سمعت أنّ بعضكم يتخاصمون مع أصحابكم الّذين كانوا من تلاميذ الشّيخ أحمد بنب وغيرهم، هم وأنتم مسلمون، فواجب عليكم أن تكونوا إخوانا، والمؤمنون كلّهم إخوة، وليس في الإسلام عداوة وبغضاء.
وأورد صاحب المنن أنّ الشّيخ الحاج مالك سه رضي الله عنه وجد قوما يمتنعون الصّلاة خلف إمامهم لكونه مريديّا وهم تيجانيّون، فجاء الشّيخ وصلّى خلف ذلك الإمام حتّى يفضّ النّزاع فيما بينهم.
هذا، ولم تتح لنا المراجع والمقام للإتيان بأكثر من هذا في هذه النّقطة المهمّة، فنكتفي بما ذكرنا.

إذا، فهذه الأمور الخمسة وغيرها مظاهر من مظاهر قوّة العلاقة والاتّحاد فيما بينهم، وأنّهم كانوا يدا واحدة في السّرّاء والضّرّاء.
وأمّا التّابعون وعامّة النّاس في ذالك الوقت كانوا مصطفّين وراء شيوخهم مستمعين لأقوالهم، ومساعدين لهم في تقوية علاقاتهم ووصل أرحامهم، ولم تكن المشاحنات والخصومات تحدث إلّا نادرا جدّا، وسرعان ما تختفي. وذالك ما جعلنا نرى الكثيرين من مريدي الشّيخ الخديم رضي الله عنه يزورون مدينة تواوون كثرة عند الشّيخ الحاج مالك سه رضي الله عنه، أو تيجانيّين يزورون الشّيخ الخديم بكثرة في جربل، وكانوا يسمّون ببعضهم الأولاد، ويزوّجون بناتهنّ كذالك. وفي جعبتنا من القصص والمواقف ما لو سردناها لبالغنا في الإطالة، وذالك عكس المراد.
وفي الصّفحات التّالية نسلّط الضّوء على طبيعة هذه العلاقات في واقعنا المعاصر، وسنرى مدى قربها أو بعدها عمّا كانت عليه سابقا.








((الفصل الثّالث: الرّوابط بين الأسر الدّينيّة حديثا))

المبحث الأوّل: الوضع الحالي للرّوابط بين الأسر الدّينيّة

يمكننا القول أنّ الوضع الحالي للرّوابط بين الأسر الدّينيّة لم يتغيّر كثيرا عن سابقتها، لا سيما بين المشايخ أنفسهم، فهم مازالوا على نفس منوال آبائهم، يشعرون بثقل المسئوليّة على أعتاقهم، فهم مشايخ البلاد، ومرجعها الإسلاميّ الأعلى، وهم أيضا محطّ الأنظار كلّما جدّت حادثة تمسّ الوطن والدّين.
وهم يشعرون بضرورة نبذ الطّرقيّة، وجعل مسلمي البلد كلّهم تحت راية الإسلام، راية الأخوّة والمحبّة والتّعاون. ولكي ينجح ذالك لابدّ أن يسلكوا نفس المنهج الّذي سلكه الآباء، يجب عليهم أن يكونوا قدوة لغيرهم في الاتّحاد والتّعاون.
وليست مبالغة إن قلنا أنّهم نجحوا في ذلك على أعلى المستويات، فهم فيما بينهم يتزاورون، ويتشاورون، ويتشاركون لحظات الفرح والحزن. ولم يتوقّف الأمر على هذا الحدّ، بل حاولوا ونجحوا في سدّ بعض الثغرات الّتي غفلتها الآباء، مثل قضيّة الاختلاف في الأهلّة الّتي قضّت مضجع الآباء، ولم يوفّقوا إلى إيجاد حلّ لها، بيد أنّ الله سبحانه وتعالى يسّر الأمر للمتأخّرين، وجعل الحلم يتحقّق على أيديهم. وكلّنا نتذكّر تلك الدّعوة الّتي وجّهتها الخليفة الرّاحل للمريديّة الشّيخ سيّدي المختار امباكّي رضي الله عنه فور -جلوسه على كرسيّ الخلافة- : بأنّه من الآن فصاعدا يدعو المسلمين إلى توحيد الصّفّ، وعلى وجه أخصّ بين الطّريقة المريديّة والطّريقة التّيجانيّة، وحثّ الجميع عن التّخلّي فورا وكلّيّا عن الخلافات الوهميّة، مانعا التّحدّث عن كلّ مايثير فتنا مثل تعصّب أو مقارنة أو تفاضل بين الطّرق الصّوفيّة.[18]
وقد استجابت كلّ الأسر الدّينيّة لهذه الدّعوة، وعملوا على تطبيقها، وكان من نتائج ذلك أن حلّت مسألة الأهلّة، وأنعمت البلاد بسلام دائم بين الطّرق الصّوفيّة، فمن ذالك الوقت إلى الآن انخفضت وتيرة الصّراع والتّنازع عمّا كانت عليها سابقا، وكلّ ذالك بفضل جهود مشايخنا الكرام، وبذلهم النّفس والنّفيس في حفظ البلاد آمنا مطمئنّة.
هذا فيما يخصّ المشايخ، أمّا عامّة النّاس-وأقصد بهم من دون الخلفاء وكبار الشّخصيّات –فحالتهم لم تتغيّر، بل تزداد سوءا يوما بعد يوما، وأصبحت أسوء بكثير عمّا كانت عليه في زمن الآباء، فهم مازالوا في صراع دائم، وتنازع وتفاضل مستمرّين. ليس لديهم شغل سوى إفساد ما عمله المشايخ من توحيد للصّفوف وإرساء للسّلام، وساعد في ذلك انتشار وسائل التّواصل الاجتماعي التّي جعلت العالم كلّها كالقرية الواحدة، فالأخبار تنتشر بلمح البصر، والنّاس يستغلّونها لإيقاد نيران الحرب بينهم، وأصبحت سلاحا في متناول يد العامّة يستخدمونه متى شاءوا وكيف شاءوا، دون أن تكون لهم أيّة مشكلة.
ولم يعد النّاس يستمعون لدعوات المشايخ في نبذ الطّرقيّة، بل أصبحت المشايخ أنفسهم أهدافا لهم، فأصبحوا يعادون كلّ من يخالفهم الرّأي، ويشكّكون في انتمائه للطّريقة، حتّى الخليفة نفسها تتكلّم ولا تجد لكلامها أدنى تأثير فيهم، وذلك بخلاف ما كانت عليه الأمر سابقا عندما كانت أوامر الخليفة أو الشّيخ بمثابة أمر إلاهيّ.
وهذه الظّاهرة لم تولد نتيجة فشل المشايخ في أدوارهم- حسب رأيي، ولكنّها ولدت نتيجة تراكم أسباب كثيرة مهّدت لها الطّريقة، وجعلتها محكّمة لا تُمحى بسهولة، وهذه الأسباب هي موضوع المبحث التّالي.








المبحث الثّاني: أسباب تدهور الرّوابط بين الأسر الدّينيّة، وأثره على المجتمع
كما قلنا سابقا: فقد تضافرت عوامل كثيرة أدّت إلى ما تعيشه الأسر الدّينيّة من التّدهور في العلاقات، وكذلك بيّنّا مسبقا أنّ هذا التّدهور في العلاقات منحصر فيما بين العامّة فقط، ولا تزال الرّوابط بين الخلفاء وكبار الشّخصيّات قويّة كما كانت عليه زمن الآباء، ومن أهمّ هذه الأسباب:
1-         الجهل:
ويمكننا القول أنّ الجهل هو السّبب الرّئيسي للمشكلة، وللجهل صور كثيرة، وأسوئها ما يعرف بالجهل المركّب، حيث يجهل الإنسان ولا يعرف أنّه جاهل، وهذا هو حال الكثيرين من أفراد المجتمع السّنغالي، فالجهل فيه منتشرة، وخاصّة فيما يتعلّق بأمور التّصوّف والطّرق، فلكلّ واحد تصوّره الخاصّ لمعنى الطّرقيّة، تصوّر منبعث عن هواه دون الرّجوع لتعاليم المشايخ.
فكثير من النّاس يجهلون أنّ الطّرق الصّوفيّة ما هي إلّا وسيلة من وسائل التّربية، الّتي هدفها جعل المرء مسلما مؤمنا محسنا سعيدا في الدّنيا والآخرة، ومهما عظمت أمر هذه الطّرق فإنّها لا تخرج عن حدود الإسلام، ولا تصل لمستواه. والجهلاء يعتبرونها غاية، ويرفعون أمرها فوق الإسلام، وأساءوا فهم كلام مشايخهم، حتّى ظنّ البعض منهم أنّ المنتمي لغير طريقته فهو هالك، ويبذلون النّفس والنّفيس في سبيل الدّفاع عنها، ولا ينبسون ببنت شفة في الدّفاع عن الإسلام. وهذا الأمر سبّبت كارثة كبيرة في التّصوّف الإسلامي، بل جعل الكثيرين يطعنون في التّصوّف بشكل عامّ بأنّها لا تهتمّ بالدّين.
ومن نتائج هذا الاعتقاد عند البعض أن وجدت التّنازع والتّفاضل بين الطّرق، كلّ يدعو إلى طريقته، ويبرهن أنّها الفرقة النّاجية، وغيرها ضالّة.
كما أنّ آثار هذا الجهل قد يظهر في المنتمين للطّريقة الواحدة، حيث يفاضلون فيما بين شيوخ هذه الطّريقة، ويتعصّبون لبعضهم، ويستخفّون بالآخرين، ممّا قد يؤدّي أحيانا إلى تبادل إتّهامات وأقوال كان من الواجب تجنّبها، أو مسّ حرمات كان من الأسلم الابتعاد عنها.
2-         نسيان تعاليم الآباء:
فكما بيّنّا في المبحث الأوّل من هذا الفصل فإنّ مشايخنا القدماء كانوا يؤمنون بضرورة التّكافل والاتّحاد بين الطّرق الصّوفيّة، وقدّمنا لذالك أمثلة كثيرة. ولكن يبدوا جليّا أن الخلف من الأتباع تركوا منهج السّلف، ونسوا كلّيّا هذه التّعاليم، وأصبحوا الآن يخرّبون بأيديهم البيوت الّتي بناها سلفنا الصّالح من أولياء الله الأكملين.

3-         الرّغبة في رفع درجات المشايخ:
وهذا أيضا من آثار الجهل الذي تكلّمنا عنه آنفا، ولأهمّيّته أفردناه هنا، فالكثيرون من الأتباع كما قلنا سابقا يعتبرون الأمر تسابقا وتنافسا، وأدّى بهم ذلك إلى تعصّب شديد، جعلهم يرفعون شيخهم ويخفضون الآخرين، وقد يجعلهم ذلك يستعينون بكلّ الأسلحة الممكنة من أجل تحقيق رغبتهم هذه، فترى بعضهم ينسجون قصصا من خصب مخيلتهم، وينسبونها لهذا الشّيخ يمدحونه فيها، أو لذاك الشّيخ يهينونه فيها ويخفضون من درجته. ولنا في التّراث السّنغالي كثيرا من القصص الّتي لا أساس لها من الصّحّة، ولم تنسج إلّا لهذا الغرض المذكور.
4-         سوء الظنّ بالغير:
وهو نوع من التّعصّب، حيث أنّ الواقع الطّرقي في السّنغال قد خلق حالة من سوء الظّنّ الّذي جعل النّاس لايثقون بمن في غير طريقتهم، ودائما ينتظرون منه السّوء، فعندما يقول قولا أو يكتب كتابا يسرعون إلى ذلك الكتاب واثقين أنّهم سيجدون فيه ما يتيح لهم الفرصة للإنقضاض على ذالك الشّخص وعلى طريقته، وذلك خلق حالة من الذّعر والضّيق لدى بعض الباحثين والمحاضرين حيث يعانون الأمرين في كلّ مرّة يتحدّثون فيها أو يكتبون عن شيخ ما، أو طريقة ما. فكم من علماء في البلاد تمتّ إهانتهم على الملأ لأسباب تعصّبيّة بحتة.
فيجب على النّاس أن يبحثوا عن تاريخ شيوخهم، ويعرفوا أقوله من غيره، وعندما يسمعون أحدهم ينسب أقوالا وأمورا غير صحيحة لشيخهم، فعليهم التّحدّث معه بشكل لائق خال من العنف، مبيّنين له الأدلّة على صحّة موقفهم، ومن ثمّ يستمعون لدليله هو، إذ ليس من المعقول مثلا أنّ المريدين يعرفون جميع أقوال الخديم رضي الله عنه، فالخديم رضي الله عنه كان كثير السّياحة، وكان يمرّ بكثير من المدن، ويلتقي بأناس كثيرين من أصحاب الطّرق الأخرى، ويحدث له معهم حوادث، ويحدّثهم ويحدّثونه، إذا فلا جرم أن يعرف التّيجانيّوون مثلا عن تاريخ الشّيخ الخديم رضي الله أمرا لا يعرفه المريديّون.
كما أنّ على المؤلّفين والباحثين أن يبذلوا جهدهم في أن يكون معلوماتهم وثيقة، وأن يبتعدوا عن التّعصّب ، فكم من كاتب أشعل فتنة كبيرة بجملة أوردها في كتابه، أو بقصّة غير صحيحة سردها فيه، أو تعليق استهزائي سطره فيه. فالمريديّ الّذي يكتب عن التّيجانيّة مثلا يجب عليه الرّجوع إلى مصادر التّيجانيّة الأصلية، وبعد ذلك يعرض عمله هذا على الموثوقين من علماء التّيجانيّة حتّى يكون عمله خالصا من الأخطاء، ولا يعتمد على ما يتناقله النّاس فيما بينهم، ولا فيما يكتبه أهل طريقته عن تلك الطّريقة بشكل كامل.

5-          عدم فهم التّصوّف:
وهو- حسب رأيي- من الأسباب المباشرة لهذه الظّاهرة، فالنّاس في أيّامنا هذه يعتنقون الكثير من المعتقدات، ويرتكبون الكثير من الأعمال الّتي يظنّونها من تعاليم التّصوّف، ولكنّ التّصوّف منها بريئ، ولاسيما فيما يخصّ العلاقة بين المريد وشيخه، وكذلك أحوال المريد السّالك، وما يسمح له بفعله، وما ينهى عنه.
فمثلا عندما يرفع أحدهم شيخه على الشّيوخ الآخرين، ويمدحه، ويذكر كراماته ومناقبه، وذلك مع عدم التّعرّض للآخرين بسوء، ترى النّاس يتّهمونه بالتّعصّب والكذب والاستحقار الآخرين، رغم أنّ ذالك مسموح في التّصوّف. فالتّصوف يأمر المريد باعتقاد تامّ في شيخه، وينظر إليه كأنّه الأكمل والوحيد في العالم، يقول شيخ الإسلام إبراهيم انياس رضي الله عنه في معاملة المريد لشيخه:
لا تلتفت لغيره في العالم** وكن كما لو كان دون عالم
فليس للمريد غير ذاالولي** مع الرّسول ثمّ مولاه العلي[19]
إذا، فيجب للمريد تعظيم شيخه، ولكن مع احترام شيوخ الآخرين وعدم التّعرّض لهم بسوء، أو الانكار عليهم بشيء، لأنّك لا تنكر عليهم شيئا إلّا وتُحرم ذلك الشّيء كما يقولون.
ومن الغريب أن تجد أشخاصا يستائون من كلام شيخ الإسلام في روح الأدب، حيث يقول:
خير شيوخ الدّهر بالإطلاق *** إمامنا التّجان ذي الأخلاق
وخير كلّ الطّرق بالإجماع*** طريقه أيضا بلا نزاع
فالشّيخ إبراهيم وقت كتابته لهذه الأبيات كان يزامل شيوخا مريديّين وقادريّين، وهم أيضا لا شكّ أنّهم اطّلعوا على مقالته، لكنّهم لفهمهم للتّصوّف وخلوّ قلوبهم من التّعصّب لم يظهروا أيّ ردّ فعل تجاه هذا القول، بل ظلّت علاقتهم مع القائل قويّة إلى آخر حياتهم رضوان الله عليهم. فلو فهم المعاصرون هذه الحقيقة، لحلّت جزء كبير من المشكلة.
6-         السّياسيّون و محاضرو الشّوارع:
وهما وجهان لعملة واحدة، فالسّياسيّون يستغلّون هذا التّدهور في العلاقات لصالحهم، وهذا الأمر ليس جديدا، فمنذ عهد الرّئيس سنغهور والسّياسيّون يحاولون الاستفادة من نفوذ المشايخ لأجل الوصول إلى مبتغاهم، ولكن في ذلك الزّمان لم يصلوا إلى حدّ إثارة الفوضى وإشعال نار الفرقة بين الطّرق، وذلك لما  بيّنّاه سابقا من قوّة العلاقة الّتي كانت تربط بين المشايخ، وأيضا لقوّة الرّابطة بين الشّيوخ والأتباع. وفي وقتنا الحاضر ومع تراجع سلطة المشايخ على الأتباع، ووصول الحرب بين الأسر إلى أعلى مراحلها، نجد السّياسيّين يغتنمون هذه الفرصة أيّما استفادة. فكم مرّة رأينا سياسيّا يتفاخر في التّلفاز أنّه ينتمي إلى طريقة معيّنة، ثم بعد قليل تجد البعض من أتباع الطّرق الأخرى يسبّونه ويهدّدونه، وكلّ ذالك يصبّ في مصلحة ذالك السّياسيّ، لأنّه حسب واقعنا الطّرقي فإنّ الطّريقة الّتي يدّعي الانتماء إليه سيرون الأمر عدوانا عليهم، وأنّ النّاس يكرهونه لأنّه منهم، وهكذا يصوّتون له في الانتخابات على سبيل التّعصّب الطّائفي.
أمّا محاضرو الشّوارع، فهم قوّاد هذه المعركة، ومشعلو جمرتها، وهم المحرّكون لها أيضا، وكلّ ذلك لأجل كسب الكثير من المال، فبحسب فهمهم لنفسيّة العامّة، وميلهم إلى التّفاضل بين المشايخ، تراهم يركّزون على هذه الجزئيّة، وينسجون من القصص الكاذبة، والأقوال، والكرامات الغريبة مالا عين رأت ولا أذن سمعت، وبذلك يبهرون العامّة ويحصّلون أموالا طائلة.
7-         الحقد على المسلمين:
وعندما نقول المسلمون في السّنغال نقصد بهم أهل التصوّف، لأنّهم الأغلبيّة فيها. وأساس هذه النّقطة: أنّ السّنغال يمتاز بين دول العالم بأنّه بلد الكرم والسّلام، والاتّحاد والمحبّة، ولم يصبه ما أصاب غيره من البلدان من التّفرّق والتّقاتل. وهذه الحالة لم تعجب الكثيرين من النّاس، ويبذلون النّفس والنّفيس لإشعال نار الفتنة بين المسلمين في السّنغال، ولم يجدوا طريقة لفعل ذالك إلّا من خلال الإيقاع بين الأسر الدّينيّة، ويروي لنا الشّيخ أحمد التّيجاني سه المكتوم رضي الله عنه أنّه : جاءه أحد كبار الشّخصيّات في البلاد، يسأله عن مايحتاجه من العدّة والعتاد للهجوم على المريديّين، ففطن له الشّيخ، وقال له: أمهلني فترة وسأجيبك، ولمّا غادر الرّجل أمر الشّيخ شخصا يتبع له ذالك الرّجل، ثمّ إنّ ذالك الرّجل في مساء ذلك اليوم ذهب إلى طوبى إلى الخليفة الشّيخ عبد الأحد امباكّي رضي الله عنه يطلب منه نفس الأمر.
وهذا مثال فقط من مئات الأمثلة.
ثمّ إنّهم لمّا فشلوا في الإيقاع بين المشايخ لقوّة الرّابطة بينهم، لجأوا إلى خطّة ثانية، وهي الإيقاع بين الأتباع، ويبدوا أنّهم بدأوا يحقّقون بعض النّتائج.
8-         الحسد:
وهو حسب رأيي ليست سببا مباشرا، لأنّ السّنغاليّين متميّزون بمكارم الأخلاق، وعلّمتنا التّاريخ مدى بعدهم على هذه الصّفة الّتي لا يدخل الجنّة من يتّصف بها، ولذلك جعلتها في المرتبة الأخيرة.
ورغم ندرة وجود هذه الصّفة بيننا- حسب رأيي- إلّا أنّ هناك تصرّفات لا يمكن تفسيرها إلّا بالحسد، فمثلا شخص يذمّ ويشتمّ وليّا مشهود له بالعرفانيّة والقطبانيّة، ومع ذلك يطعن في عرضه وينسب إليه أمورا هو نفسه يعرف أنّه كاذب، بله العامّة، فهذا تصرّف صادر من قلب أكله الحسد حتّى صار معدوما.
وبما أنّ الحاسد لا يمكنه كبح حسده، فإنّ تأثيره في تشويه العلاقات معروفة لا يحتاج لبيان.
إذا، بعض أن بيّنّا بعضا من الأسباب الّتي أدّت إلى هذا التّدهور في العلاقات بين الأسر الدّينيّة في السّنغال، أرى من المناسب أن نذكر بشكل سريع وموجز على بعض الآثار الّتي يمكن أن تنتج عنها.
ومن هذه الآثار:
1-         سطو الطّرقيّة على الدّين:
فالنّاس ساووا بين الدّين والطّريقة، بل أصبحوا يهتمّوا بأمر الطّريقة أكثر، ويحمونها بكلّ ما لديهم، وأصبحت الطّريقة، وقد وصل ببعضهم الجهل والتّعصّب إلى تجاهل بعض أحكام الشّرع، كمن يمنع بنته عن الزّواج من رجل من طريقة أخرى، وكذلك منهم من يرفض الإئتمام بإمام من طريقة أخرى، وغير ذلك من مظاهر سطوة الطّرقيّة على الدّين.
2-         محو الوطنيّة:
كم مرّة رأينا من يتعرّض لبلادنا بالسّوء، ويسبّ البلاد وساكنيها، ومع ذلك لا يتحرّك أحد للدّفاع عن الوطن. فالسّنغاليّون الآن أغلبهم لا يحرّكهم إلّا التّعرّض لشيخهم، أمّا التّعرّض للإسلام وللوطن فلا شأن لهم وذلك، وذلك أمر يدلّ على موت روح الوطنيّة فينا، ومن أمثلة ذلك أيضا ما يحدث في الانتخابات من التّعصّب لبعض المنتخبين فقط لكونهم من نفس طريقتك، فلم نعد ننظر إلى الكفاءة والأمانة وحسن السّياسة والذّكاء وغير ذالك من صفات القائد أو الرّئيس، ولكن فقط يكفينا أنّه من طريقتنا، ثمّ مهما جار هذا الرّئيس أو النّائب في أحكامه، ومال عن الطّريق فإنّنا سنظلّ نساعده ونمدحه، مضحّين بمصلحة الوطن لمصلحة الهوى فقط.
3-         قلّة نفوذ المشايخ:
فالمشايخ لم يعودوا بنفس التّأثير الّذي كانوا عليه سابقا، وأصبح النّاس يمشون حسب هواهم، بل- كما قلت سابقا- قد يظنّ بعضهم أنّهم أعلم بأمر الطّريقة من المشايخ أنفسهم، وأصبح النّاس يتجرّءون عليهم بعدما كانوا يبجّلونهم، وأصبحت أقوالهم حبرا الورق بعد أن كانت سنّة تتّبع. وهذا حتّى ولو لم يحصل بشكل كلّيّ الآن إلّا أنّه في الطّريق للتحقّق ما لم نوقّفه، وإن وصل الأمر إلى ذالك الحدّ، فحينها قد يدخل البلاد في أزمات ومشاكل وحروب لم تكن تخطر ببالها قطّ، لأنّنا جميعا نعرف أنّ الأمر الوحيد الّذي حال دون دخول البلاد في الأزمات هو سلطة المشايخ على الأتباع، فما دام الأتباع ينقادون لأوامر الأشياخ، فإنّنا سنقف صامدين أمام كلّ الأزمات، وأمّا إن انتفت هذه السّلطة، وتخلّى الأتباع عن الأشياء، فحينها ستتردّى البلاد إلى أسفل سافلين والعياذ بالله.


4-         تحقيق أهداف أعداء الإسلام في تشتيت المجتمع الإسلامي:
حيث ذكرنا في السّطور الماضية أنّ أعداء الإسلام يبذلون كلّ ما بوسعهم للصّدّ عن الدّين، وإشعال نار الفرقة بين المسلمين، وأعطينا في ذلك مثالا عن قصّة ذلك الرّجل مع الشّيخ أحمد تيجان سه المكتوم رضي الله عنه. إذا، فكلّنا نعرف أنّهم هم المستفيدون الأكبر من هذا الصّراع.
5-         البعد عن التّصوّف:
ونقصد بذلك أنّ التّصوّف ركن من أركان حيث يتمثّل في الإحسان، والطّريقة أو الورد أصل من أصول التّصوّف وليست ركنا، فأركان التّصوّف أربعة: صمت-جوع-سهر-عزلة، فيمكن للشّخص أن يكون صوفيّا بل وليّا عارفا بالله دون الانتماء لأيّ طريقة، وهذا أمر يشهد له الواقع. إذا فمن تجاهل كلّ ذلك واعتبر الطّريقة بمثابة الدّين، وظنّ أنّ طريقته هي وحدها الصّحيحة، وأنّ الآخرين في ضلال، فهذا فكر يبعد معتنقها عن التّصوّف بشكل كبير، إذ لا تعصّب في التصوّف، ولا إكراه فيه. والأمر كما قال الشّيخ سام امبي رضي الله وأرضاه:
أنّ كلّ مريديّ أو تيجانيّ أو قادريّ بغض غيره فمريديّته وتيجانيّته وقادريّته ناقصة.
ويقول أيضا: أنّ كلّ من بغض أخاه المسلم لانتمائه لطريقة أخرى، فإنّ الشيّخ الّذي ينتمي إليه لطريقته ساخط منه، وذلك لأنّ الأقطاب إذا مات أحدهم يوكل أتباعه المرضيّين للقطب الّذي يليه.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ المتصوّف يجب عليه الانغماس في التّصوّف بشكل كلّيّ، حيث يظهر ذلك في أقواله وفي تصرّفاته وحركاته وسكناته، فاللّاهينيّ مثلا عندما يتكلّم أو يتصرّف يجب أن يعرف الجميع أنّ هذا لاهينيّ، وكذالك  المريدي والقادري والتّيجاني، فالطّرق كما قلنا سابقا بمثابة مدارسة للتّربية، إذا فكما أنّ الأزهري يعرف بمجرّد رأيته، كذلك يجب أن يكون الصّوفيّ، يجب أن يظهر عليه آثار المدرسة الّتي ينتمي إليها. فإذا وصلنا إلى زمن يخشى فيه المريد أن يقسم بشيخه أمام التّيجاني، ويخشى التّيجاني أن يدعو ببركة شيخه أمام القادري، ويخشى القادريّون التّحدّث بمناقب شيوخهم أما اللّاهينيّ، فهذا يوحي بوجود مرض خطير لا بدّ من مداواته قبل فواته الأوان. فالأدب الصّوفي يخبرنا عن أشخاص كانوا يجلسون في نفس المسجدـ، كلّ منهم يتحدّث عن مناقب شيخه، ويتبرّك بذكره، وكلّ ذالك بعيد عن التّعصّب والتّكلّف، فهم يقولون: عند ذكر الصّالحين تتنزّل الرّحمات، لذلك كانوا يكثرون من هذه الجلسات. إذا فيجب علينا الرّجوع إلى التّصوّف ونعيشها بكلّيّتنا وبذلك سنجد سعادة لم نتخيّلها قطّ.
6-         موقف بعض المثقّفين:
منذ فترة قليلة فقط عندما كنّا نتحدّث عن التّخاصمات والتّنازعات بين الأسر الدّينيّة في البلاد كنّا نطمئن أنفسنا بأنّ الأمر لم يتجاوز طبقة العامّة الجاهلة فقط، ولم نكن نتخيّل أن يتسرّب الأمر إلى طبقة المثقّفين، والآن أصبحت المعركة بين المثقّفين أنفسهم ممّا زاد الأمر سوءا، فالجهّال يتكلّمون عن هواهم، ولا قدرة لهم في المناظرة أو المناقشة، فإن واجهت جاهلا بأمرٍ ما، أو أنكرت عليه أقواله فإنّه لن يستطيع الإفلات من هذه المعضلة، وذلك بعكس المثقّفين الّذين لديهم أسلحة يجابهون بها خصومهم، ولديهم قوّة في البيان، وملكة في المراوغة، ممّا يجعل النّقاش معهم أمرا صعبا لا سيما عندما يكونون مخطئين.
إذا، فمشاركة المثقّفين في الصّراع جعلت نيرانه أكثر اشتعالا، وإطفائها أكثر صعوبة.
وبعد هذا المرور السّريع على أهمّ أسباب وآثار هذا التّدهور في العلاقات، فإنّنا في المبحث القادم سنتحدّث عن حلول لهذه الظاهرة.









المبحث الثّالث: حلول مقترحة لتحسين الوضع
بعد أن سلّطنا الضّوء على المشكلة، وعلى أسبابها، وبيّنّا أثرها على المجتمع، فإنّنا في الأسطر القليلة القادمة نودّ اقتراح بعض من الحلول الّتي رأينا أنّها لو طبّقت حرفيّا فإنّها ستعالج هذه المشكلة، وستحول دون وقوعها من جديد، ومن تلك الحلول:
1-         الرّجوع إلى تعاليم الآباء وسيرتهم:
تعدّ نقطة لو ركّزنا عليها، وحاولنا تطبيقها حرفيّا، لتغيّر الوضع إلى الأحسن، ولعاش النّاس في سلام دائم. فالآباء خطّوا لنا الطّريقة، ووضعوا لنا خطّة لو اتّبعناها لحلّت المشكلة، ولم لا وهم الرّعيل الأوّل، الّذين أفنوا حياتهم في خدمة الإسلام والمسلمين، وطبّقوا الأمر الإلاهي بالتّعاون والتّآخي على أفضل شكل ممكن.
فلو رجعنا إلى كتاباتهم ورأينا كيف كانوا يحاربون الفرقة بين المسلمين، لرأينا من الأمثال والأسلحة ما لو اعتمدنا عليها لخرجنا من هذا الوضع المزري الّذي نعيشه في وقتنا الحاضر.
2-         فهم التّصوّف وتطبيقها:
كما بيّنّا سابقا أنّ من أسباب هذه المشكلة عدم فهم التّصوّف، وعدم تطبيقا كما يجب، لذا فمن الأولويّات أن نعيد قراءة التّصوّف بتأنّ، ونطبّق مبادئه وتعاليمه. فالتّصوّف يهدف إلى تحسين العلاقة بين العبد وربّه، وإلى تحصيل سعادة الدّارين، فمن تمسّك به فلن يضلّ أبدا لأنّه محض الكتاب والسّنّة. وقد بيّنّا سابقا أنّ هناك سوء تفاهم كبير يحدث بين الطّرق الصّوفيّة في البلاد، ولم يسبّب ذلك إلّا عدم فهم التّصوّف. بالإضافة إلى تطبيق التّصوّف الّذي هو أخلاق بحتة، يجعل المرأ يتحلّى بمكارم الأخلاق، ويخلّى عن الرّزائل الّتي من أبرزها التّعصّب وبغض خلق الله، والإنكار على الأولياء.
3-         إدخال سير المشايخ في المناهج الدّراسيّة:
يرى الكثيرون أنّ من الضّروري في وقتنا الحاضر إدخال سير مشايخ البلاد وعلمائها في مناهجنا الدّراسيّة، وبذلك يستطيع النّاس فهم الطّرقيّة بشكل أفضل، وسيزول الكثير من سوء التّفاهم، وسيتخرّج الطّلاب وفي جعبتهم الكثير من المعلومات عن الطّرق الأخرى ومشايخها ومبادئها، وسيكون على إلمام تامّ بالفروق النّسبيّة بينها، وحينها سيدرك أنّ الطّرق كلّها على حقّ ولو اختلفت الوسائل، وسيكون أيضا حينها بعيد عن الجهل والتّعصّب، وسيتّخذ من المشايخ كلّهم قدوة يقتدي بها.
4-         تربية النّشؤ على التّسامح وتقبّل الغير:
هذه النّقطة مشابهة نوعا ما لسابقتها، ولكنّهما تختلفان في أنّ النّقطة السّابقة منحصرة في المدرسة والجامعة، أمّا هذه فتتعلّق بالتّنشئة الإجتماعيّة للطّفل. فأكثر أطفال البلاد يترعرعون في بيئة طرقيّة، ممّا يجعل الطّفل ملمّا فقط بطريقته، بل يظنّ أنّها الوحيد في البلاد، وعندما يكبر يبدأ يسمع عن الطّرق الأخرى ولكن بشكل يجعله لا يوليها أيّة أهمّيّة، وقد يستحقرهنّ لما يألف من بيئته من الاستهانة بأمورهنّ. وفي هذه الحالة ينضج الطّفل متعصّبا لطريقته غير متقبّل للآخرين.
وأمّا لو أنشئ الطّفل على حبّ أولياء البلاد، واعتاد سماع قصص عن مناقبهم وكراماتهم، سيورثه ذلك حبّهم، وسينضج محبّا لهم متقبّلا لطريقتهم وأتباعهم.

5-         مراجعة الخطاب الطّرقي:
الّذي يتميّز بكونه خشنا، يغذّي التّعصّب في النّفوس ويضرم نار الحقد والكراهة فيها، كما يكون أحيانا بلغة تجرح مشاعر الآخر، وتستخفّ- إمّا تصريحا أو تلويحا- بشيخه الّذي يتعزّز بالانخراط في سلكه ، إذ قلّما يكتب أو يتكلّم منتم إلى طريقة دون همز المنتمي إلى طريقة أخرى، ولا يشفي أحدهم غليله عند الحديث عن مناقب شيخه ومناقبه إلّا إذا حصر فضل الله العظيم فيه، وجعل قدمه فوق رقبة كلّ وليّ.[20]
وجليّ مايمكن لهذا الأمر أن يسبّبها من مشاكل جمّة بين الطّرق والأسر الدّينيّة، فيجب على المتكلّمين والمؤلّفين ضرورة مراعاة هذا الجانب، وأن يحاولوا ما استطاعوا الحدّ من استفزاز الآخرين، والحطّ من قدر مشايخهم.
الخاتمة
وبعد أن بيّنّا في الصّفحات الماضية طبيعة العلاقة الّتي كانت تربط بين الأسر الدّينيّة في البلاد قديما وحديثا، وبيّنا التّدهور الّذي أصابت تلك العلاقة في زمننا الحالي، وبيّنّا أسبابه وآثاره على المجتمع، وأعطينا حلول لعلاجها، نأتي الآن في ختام هذا البحث، ونقول:
أنّ على المشايخ وغيرهم من ذوي النّفوذ والعلماء والمثقّفين أن يحاولوا الحدّ من هذه الظّاهرة، وأن يعدّوا لها كلّ الأسلحة اللّازمة، لأنّها إن لم توضع لها حدّا ستكبر وستصل إلى مدى لا يمكن التّعامل معها، وستصبح عادة ودينا للمجتمع السّنغالي بأكمله.
فيجب عليهم توفير كلّ ما من شأنه محاربة هذه الظّاهرة، كالإكثار من النّدوات والمحاضرات المحذّرة من خطورتها، مرورا بتأليف الكتب عن الرّوابط بين شيوخ البلاد، وصولا إلى التّعامل مع كلّ من يحاول إشعال نار الفتنة بين الطّرق. ويجب عليهم تحبيب أتباعهم مشايخ البلاد، وتحذيرهم من التّعرّض لهم بسوء أو الطّعن في أعراضهم، فلحوم الأولياء مسمومة، وكلّ من عادى وليّا فإنّ الله يؤاذنه بالحرب. وليعلموا- كما قال الشّيخ أحمد تيجان سه رضي الله عنه وأرضاه- أنّه إذا تواجه المريدون والتّيجانيّون يوما فإنّه سيكون عارا كبيرا عليهم، لأنّ الجميع سيسبّون النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وسيقولون بأنّ أمّته متفرّقة.
وكذلك ما قاله الشّيخ عبد الأحد امباكّي رضي الله عنه: أنّ ثلاثة أشقّاء لا يمكن لأحدهم الطّعن في أعراض الآخرين حتّى يخافهم النّاس و يحبّونه هو، إذًا فتحابّوا، وتسالموا، وتعاونوا، وانووا الخير لبعضكم البعض".  وذلك في حديثه عن العلاقة بين المريديّة والتّيجانيّة والقادريّة.
وليتحّلّى النّاس بحسن الخلق، فإنّ المريد لا يكون مريدا بسوء الخلق، وكذلك التّيجاني وغيره من الطّرق الأخرى. وليصنعوا كما قال سرج سام امبي رضي الله عنه متحدّثا عن نفسه: " كلّ من رفعه الله فأنا أقبل له ذلك، وسأتكلّم عنه بما عرفته له من مناقب وكرامات، ورغم أنّني أنتمي للطّريقة المريديّة، إلّا أنّني أحبّ الله تعالى، وكلّ من أحبّه الله أو يحبّ الله، فواجب عليّ محبّته". ويروي أنّ سيّدنا موسى عليه السّلام سأله ربّه عن ما فعله لأجله، فذكر موسى صلواته ونوافله وعباداته كلّها، فقال له ربّه: كلّ ذلك عملته لنفسك لأنّني أجازيك عليها. فسأله موسى عن  ما يستطيع أن يعمله لربّه، فقال له ربّه: هو أن تجد شخصا أحبّه، فتحبّه لحبّي إيّاه".
ويقول أيضا: إنّ الله أمر جميع المؤمنين بالتّحابب، ولكلّ واحد الانتماء لطريقته بقلبه، ولكن عليه احترام وحبّ جميع عباد الله، ويرفع من شأنهم إن كان يريد رضى الله، لأنّ الإسلام يأتي أوّلا قبل الطّريقة، والطّريقة داخل حائط الإسلام، وكلّ من أبغض حبيب الله فقد أبغض الله.
إذا، فعلى هذه الطّرق شيوخا وأتباعا أن يعرفوا أنّ الانتماء للإسلام فوق كلّ انتماء، وأن يدركوا أنّ فضل الله عظيم، يؤتيه ويختصّ به من يشاء، وأنّه أكبر من أن ينحصر في احدى الطّرق الصّوفيّة أو في شيخ معيّن.
هذا، ونسأل الله أن يوحّد بين قلوبنا، ويحسّن من أخلاقنا، وأن يجعلنا مسلمين حقّا، مؤمنين حقّا، محسنين حقّا، متقبّلين للغير، غير متعصّبين أو متنازعين. ورضي الله عن مشائخنا الكرام، مع الصّلاة والسّلام على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وخديمه وأمّته وسلّم تسليما كثيرا.

       بقلم: خادم شيخنا امباكّي عبد الودود – الطّوبويّ
                   مدينة البعوث الإسلاميّة- القاهرة- مصر 18/07/2018م


((مراجع البحث))
1-          الكتاب والسّنّة
2-          مسالك الجنان
3-          تزوّد الشّبّان
4-          إرواء النّديم
5-          منن الباقي القديم
6-          فاكهة الطّلّاب
7-          روح الأدب
8-          التّاريخ السّياسي للإسلام في السّنغال
9-          تحرير الأقوال في تاريخ السّنغال
10-   المراسلات الشّعريّة بين الأعلام المريديّة والتّيجانيّة
11-   إرشاد عباد الله إلى الصّواب من خطب إمام الله
12-   ضرورة مراجعة الخطاب الطّرقي



[1] التصوّف الإسلامي في السّنغال) بتصرّف يسير
[2] المسلمون في السّنغال معالم الحاضر، وآفاق المستقبل
[3] المصدر السّابق
[4] التصوّف الإسلامي في السّنغال
[5] من المراسلات الشّعريّة والنّثريّة بين أعلام الطّريقة المريديّة والتّيجانيّة بالسّنغال) لسرج امباكّي جوب خضر
[6] مسالك الجنان
[7] فاكهة الطّلّاب
[8] إرشاد عباد الله إلى الصّواب من خطب سيّدنا إمام الله
[9] روح الأدب
[10] تزوّد الشّبّان إلى اتّباع الملك الدّيّان
[11] منن الباقي القديم
[12] إرواء النّديم من عذب حبّ الخديم للدّغاني
[13] سمعته من الشّيخ مصطفى جوب الككّي دون الجملة الأخيرة، فقد سمعته من آخر
[14] راجع( التّاريخ السّياسي للإسلام في السّنغال)
[15] أنظر( تحرير الأقوال في تاريخ السّنغال
[16] إرواء النّديم
[17] دراسات حول المريديّة
[18] مجلّة الفاتح – العدد 3
[19] روح الأدب
[20] ضرورة مراجعة الخطاب الطّرقي) أبو مدين شعيب اتياو

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق