الخميس، 9 ديسمبر 2021

الشيخ الخديم -رضي الله عنه - اللغوي الأديب

 

الشيخ الخديم_ رضي الله عنه _اللغويّ الأديب

    كان للعربية فضل كبير عند الشيخ الخديم ـ رضي الله عنه ـ ، وقد عني بها أعظم عناية، وأسهم في إثراء التراث السنغالي العربيّ، بما خلّفه من روائع أدبيّة، وقصائد فريدة، تنطق كلها برسوخ قَدمه في العربية، بل كان رضي الله عنه عَلَما من أعلامها؛ يُرجع إليه في معضلاتها، ويُستفسر منه غرائبها، ومن الطرائف في ذلك أن " عبد الله بن العتيق، كان من كبار علماء اللغة، ويروى أن أحد الصالحين رأى النبي _ صلّى الله عليه وسلم _ وعبد الله العتيق جالس عن يمينه، وهو صلى الله عليه وسلم مُحْتَف به لمعرفته باللغة العربية"، فعبد الله هذا سأل الشيخ الخديم يوما معنى كلمة فتعجب الشيخ قائلا: سبحان الله، ابن ذي الإخلال يسأل عن معنى كلمة في اللغة العربية"((.

   والشّيخ الخديم ـ رضي الله عنه ـ وإن لم تصل إلينا من تفاصيل أخذه العربية إلا نُتفٌ يسيرة؛ فإنهم ـ أعني الكُتاب ـ قالوا إن مجاورته للقاضي الأديب مَجَخَتِ كَلَ، الذي " كان نابغة زمانه في العلم والأدب" أتاحت له فرصة تصقيل موهبته وتهذيب ذوقه وتوسيع آفاقه في العربية وعلومها، خاصة أن القاضي كان " يحب تلميذه حبا جمّا ويعجب به"، وكانا يتبادلان الأشعار، ومن أروع ما يروى في ذلك، تلك القصيدة المزدوجة، التي وصفها الشيخ محمد البشير _رضي الله عنه _ بأنها " فائقة في بابها، فتّانة طَنّانة"، وهي بالفعل كذلك.

   وقد كان الشيخ الخديم _رضي الله عنه _ حريصا على استظهار النصوص العلميّة واللغويّة التي درسها في صباه،

يقول الشيخ محمد البشير_ زاده الله بشرا ورضى_ " كنتُ معه ذات يوم، وبيننا نظم التسهيل لابن بونة بطُرَرِهِ وشواهده فقال: كنت أحفظ هذا الكتاب زمن قراءتي له بشواهده عن ظهر قلب، وكنت في هذه الأيام أتفقد حفظي له، هل نسيت منه شيئا ام لا، فجلست أستظهره فإذا هو كما كان، وكان نادرا من يحفظه من أهل المدارس كذلك"(). 

     وقد كان تعلم علوم الآلة لفهم الشريعة، وهي العلوم اللغوية على اختلافها، من ضمن ما يأمر ويحث الناس على تعلمها والتبحر فيها، وذلك _كما يقول الشاطبي _ لأن هذه الشريعة عربية، وإذا كانت عربية فلا يفهمهما حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم... فإذ ا افترضنا مبتدئا في فهم العربية فهو مبتدئ في فهم الشريعة، وكذلك المبتدئ، والمنتهي.

    وإذا كان تجديدُ العلم وبعث المعرفة من أهداف التصنيف عند الشيخ الخديم، ومن دوافع إعادة تأليف بعض الكتب، مما يرى فيها وجوب الاختصار، أو الإضافة، أو ما يستحق مزيد بيان وفضل تفصيل، فإن هذا التجديد لم يكن يقتصر على علوم الشريعة والحقيقة وحدهما، وإنما اتسع وامتد ليضم علوم اللغة أيضا، فمن المعلوم نظمه ل "سعادة الطلاب وراحة طالب الإعراب" في علم النحو، وشرحه لنزهة الظريف في علم الصرف، ورغبته في تأليف كتاب في العروض، ومن يدري، ربما كان سيضع كتابا في البيان أيضا !

  يقول عبد الله سالم الموريتاني في مدحه:

نَشَرْتَ الْعِلْمَ بعْدَ الطَّيِّ نَحْوًا* وَتَصْرِيفًا وَفِقْهًا وَاعْتِقَادَا

   ثم صار الشيخ الخديم _ رضي الله عنه _ يعُدّ إجادته العربية وعلومها نعمة من نعم المنان الوهّاب الجزيلة عليه، فيقول شاكرا:

لَقَّنَنِي اللهُ لِسَانَ الْعَرَبِ* ذَا خِدْمَةٍ للْهَاشِمِيِّ الْعَرَبِي()

ويقول:

نَزَعَ لِي نُورَ اللسَانِ وَالْكِتَابْ* أَزْمَانَ خِدْمَتِي لَدَى أَهْلِ الْكِتَابْ()

وأيضا

لَقَّنَنِي قَبْلُ لِسَانَ العَرَبِ ** لَدَى الجَزَائِرِ النَّبِيُّ العَرَبي()

وأيضا:

كِتابَتِي له لَدى أهل الكِتابْ ** لِي سَلَبَتْ نُورَ اللسَانِ والكِتَابْ

لِيَ يَقودُ الله فِي اللِّسَانِ ** معَ الرِّضَى مَا غَابَ عَنْ إنسَانِ

ويزيد قائلا:

النَّحْوُ وَالْعَرُوضُ وَالْبَيَانُ* لِي سُلِبَتْ وَلِي بِهَا عِيَانُ

وأيضا:

النَّحْوُ وَالعَروضُ والبيان ** سَجِيَّتِي وانقاد لي العِيَانُ

وأيضا:

يَنقَادُ لِي النَّحْوُ معَ العَروضِ ** وانقَادَ لِي الرِّضْوَانُ فِي قَرِيضي

سَلَبَ لِي مَنَافِعَ البَيَانِ ** من جادَ بالشُّهُودِ والعِيانِ

ويقول أيضا:

وَزِنتُ امْتِدَاحًا لِلَّذِي رَاضَ لِي العِدَى ** كَمَا رَاضَ لِي عِلْمَ العَرُوضِ مَعَ النَّحْوِ

  واقتران تلقين العربية ونزعها له بذكر "الجزائر، العدى، أزمان خدمتي" يصدق ما يراه كل متذوق لشعره بأن شخصية الشيخ الخديم الأدبية تبرز بشكل أوضح في قصائد هذه الفترة وينبغي التماسها فيها، وهي المرحلة التي وسمها الشيخ الخديم _ رضي الله عنه _بأنها مرحلة "غربة وجهاد".

 وكذلك كان _ رضي الله عنه _ يتظرّف بالعربية، ويمازح أحيانا الموريتانيين بها، ومن ذلك أن رجلا لا يحسن العربية أتاه، فقال له الشيخ: متى جئت؟، فقال: أتيتُ غدا، كأنه يريد الغداة، فقال له الشيخ: من يأتي معك غدا؟!(). 

   وأتاه آخر قال له: أتيت من عند الحية، فقال الشيخ: الحليم! (، والحية بمعنى الثعبان، وكأنه يريد الحيّ. 

   ومن الطرائف أيضا أنه أتاه يوما بيضانيّ، فقال له: يسلمون عليك بنو فلان، فقال له الشيخ: سبحان الله، أبلغة أكلوني البراغيث؟

   وقد كان العلماء والأدباء والشعراء في زمنه يروقهم حديثه، ويرغبون في مجالسته؛ لفصاحته وعذوبة منطقه، يقول محمد عالم الموريتاني:

نَزَلْنَا آمِنِينَ بخير عيشٍ* تَطِيبُ لَنَا الرَّوَائِحُ والْغَوَادِي

يُفَاكِهُنَا الْخَدِيمُ بدُرِّ لَفْظٍ* ألَذَّ عَلَى الْفُؤَادِ مِنَ الشَّهَادِ

  ولو أن التاريخ سجل لنا محاورات الشيخ مع هؤلاء الموريتانيين لعثرنا على أدب جمّ وطرائف علمية ونوادر لغوية كثيرة.

 ويروي محمد مسكه أيضا:" وكان يخرج القصائد التي يحار علماء أولاد أعمر أكداس ـ الذين هم أعلم الناس بالعربية ـ في معاني ألفاظها"()، والحيرة هنا بسبب الدقة والجمال كما قال المتنبي:

وَسَامِعٍ رُعْتُهُ بِقافِيَةٍ **يَحَارُ فِيها المُنَقِّحُ القَوَلَه()

     وقد عرف الشعراء هذا الجانب من شخصية العبد الخديم، أعني أنه لغوي عظيم وأديب مُتميّز، فمَدحوه بطلاقة اللسان وعذوبة البيان، وأعجبوا بفصاحته وبلاغته، فهذا محمد حبيب الله أحمدي الموريتاني يقول:

يامن فَصاحَتُهُ وَنظْمُ حَديثِهِ* سَحَبا رِدَاعِيٍّ على سَحْبان

ويقول العلوي:

نَبِيهٌ إِذَا خَاطَبْتَهُ قُلْتَ مَا لهُ ** من النّاسِ شِبْهٌ في البلاغَةِ والذِّهْنِ

ويصف محمد سالم بن المعلى مجالسه العلمية:

يُعلِّمهم شَريعَةَ خيْرِ هَادٍ* بِألْفَاظٍ مُنمَّقةٍ عِذَابِ

ويقول الشيخ إبراهيم جوب المشعري في مدحه:

وكم قصائدَ فَاقَتْ كُلَّ فائِقَةٍ** مثْلَ اللَّآلِئِ أو أزهَارِ جَنَّاتِ

فَكلُّ بيْتٍ لكُمْ عن مِثِلِه عجزت* أهْلُ الفصَاحة مَعْ أهل البراعَاتِ()

ويقول أيضا:

أمَّا البَلاغة والبَرَاعَةُ والفَصَاحة أنتَ سِرُّ جَمِيعِهَا والمَعْدِنُ()

ويقول العلامة الأديب النحوي محمد الفاضل بن أحمد اليعقوبي_ رضي الله عنه_:

أحمَدَ بَمْبَ يا أَخَا التَّغَرُّبِ ** أفَيَحِلُّ لَكَ ظُلْمُ العَرَبِ

بِأَخْذِ نَحْوِهِم وَأَخْذِ الأَدَبِ ** وأخْذِ جُودِهِم بَغَيْرِ وَدَبِ()

   فهذه كلمة كانت تحاول أن تلفت الدارسين والباحثين إلى هذا الجانب الثري من جوانب الشخصية الموسوعية الشيخ الخديم _ رضي الله عنه _، لتزيدهم عناية واهتماما بأدبه، وليكتشفوا بعد ذلك أثره في أدب مريديه وإنتاجاتهم الشعرية.

سرين امباكي عبد الغفور

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق